كتاب الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة (اسم الجزء: 8)

«والمسح عليهما هو السنة التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كان لابسًا لهما فالمسح عليهما أفضل من خلعهما لغسل الرجل، ودليل ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة: ٦]. فإن قوله تعالى: {أَرْجُلَكُمْ} فيها قراءتان سبعيتان صحيحتان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إحداهما: {أَرْجُلَكُمْ} بالنصب عطفًا على قوله: {وُجُوهَكُمْ}، فتكون الرجلان مغسولتين، والثانية: {أَرْجُلَكُمْ} بالجر عطفًا على رُؤُوسِكُمْ}، فتكون الرجلان ممسوحتين. والذي بيَّن أن الرِّجْلَ تكون ممسوحة أو مغسولة هي السنة، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا كانت رجلاه مكشوفتين يغسلهما، وإذا كانتا مستورتين بالخفاف يمسح عليهما» (¬١).
ومن الأحاديث الواردة في ذلك: ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عروة بن المغيرة عن أبيه قال: كُنتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ، فَأَهوَيتُ لِأَنزِعَ خُفَّيهِ، فَقَالَ: «دَعْهُمَا، فَإِنَّي أَدخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَينِ»، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا (¬٢).
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث همام بن الحارث قال: رَأَيْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى فَسُئِلَ، فَقَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَنَعَ
---------------
(¬١) فتاوى في المسح على الخفين، للشيخ ابن عثيمين (ص: ٢٣ - ٢٥).
(¬٢) صحيح البخاري برقم (٢٠٦)، وصحيح مسلم برقم (٢٧٤).

الصفحة 258