كتاب الدرر المنتقاة من الكلمات الملقاة (اسم الجزء: 8)
ومن الأدلة على فضل التجارة وبركتها: ما ورد في الصحيحين من حديث أنس: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَآخَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ وَأُزَوِّجُكَ، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا (¬١) .. الحديث.
فعبد الرحمن بن عوف تعفف عن مال أخيه، ثم سعى في التجارة فبارك الله له وفتح عليه بها، فتزوج بعد ذلك، ثم أصبح من تجار المدينة. قال أيوب السختياني: قال لي أبو قلابة: الزم السوق فإن الغنى من العافية (¬٢) .. يعني: الغنى عن الناس.
قال علي بن الفضيل: سمعت أبي وهو يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد، والتقلل، والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام، كيف ذا؟ فقال ابن المبارك: يا أبا علي إنما أفعل ذا؛ لأصون به وجهي، وأكرم به عرضي، وأستعين به على طاعة ربي (¬٣).
سئل الإمام أحمد بن حنبل: ما تقول فيمن جلس في بيته أو مسجده، وقال: لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَجُعِلَ رِزْقي تَحْتَ ظِلِّ
---------------
(¬١) صحيح البخاري برقم ٣٧٨٠، وصحيح مسلم برقم ١٤٢٧.
(¬٢) إحياء علوم الدين (٢/ ٩٤٣).
(¬٣) تاريخ بغداد (١٠/ ١٦٠).