كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 109 """"""
ذكر فتح بيت المقدس وهو إيلياء
كان فتح بيت المقدس على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، سنة خمس عشرة . وقيل : ست عشرة ، وذلك أن عمرو بن العاص لما فتح هذه الجهات التي ذكرناها ، أرسل إلى أرطبون رجلاً يتكلم بالرومية . وقال له : اسمع مايقول ، وكتب معه كتاباً ، فوصل إليه ، وأعطاه الكتاب ، وعنده وزراءه ، فقل لهم : لا يفتح عمرو شيئاً من فلسطين بعد أجنادين . فقالوا له : من أين علمت ذلك ؟ فقال : صاحبها صفته كذا وكذا ، وذكر صفة عمر ، فعاد رسول الله إلى عمرو ، وأخبره بذلك ، فكتب عمرو رضي الله عنهما ، يقول : إني أعالج عدواً شديداً ، وبلاداً قد أدخرت لك ، فرأيك .
فعلم عمر أن عمراً لم يقل ذلك إلا لشيء سمعه ، فسار عن المدينة وقيل : كان سبب قدوم عمر إلى الشام ، أن أبا عبيدة حصر بيت المقدس ، فطلب أهله أن يصالحهم على صلح أهل مدن الشام ، وأن يكون المتولي للعقد عمر بن الخطاب ، فكتب إليه بذلك ، فسار عن المدينة ، واستخلف عليها علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكتب عمر إلى امراء الأجناد بموافاته بالجابية ليوم سماه لهم ، وأن يستخلفوا على أعمالهم ، فوافوه ، وكان أول من لقيهم يزيد بن أبي سفيان وأبو عبيدة ثم خالد بن الوليد على الخيول ، عليهم الديباج والحرير ، فنزل عن فرسه ، ورماهم بالحجارة ، وقال : ما أسرع ما رجعتم عن رأيكم إياي تستقبلوني في هذا الزي وإنما شبعتم منذ سنتين ، وتالله لوفعلتم ذلك على رأس المائتين لاستبدلت بكم غيركم . فاعتذزوا بالسلاح ، ودخل عر الجابية وعمرو وشرحبيل لم يقدما عليه ، فبينما عمر بالجابية إذ فزع الناس إلى السلاح . فقال : ماشأنكم ؟ قالوا : ألا ترى إلى الخيول والسيوف فنظر فإذا كردوسة ، فقال : مستأمنة فلا تراعوا ، فإذا هم أهل إيلياء يصالحونه على الجزية ، وكان الذي صالحه العوام ، لأن أرطبون والتذارق دخلا مصر لما بلغهما مقدم عمر .
وأخذوا كتابة على إيلياء وحيزها ، والرملة وحيزها . وجعل عمر رضي الله عنه علقمة بن مجزز على نصفها الآخر ، وأسكنه إيلياء ، وضم عمرو بن العاص وشرحبيل إليه بالجابية ، فلقياه راكباً ، فقبلا ركبته ، فضم كل واحد منهما محتضنا ، ثم