كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 119 """"""
المثنى ، وبعث عصمة بن عبد الله الضبي فيمن معه ، وكتب إلى أهل الردة فلم يأته أحد إلا رمى به المثنى . وبعث الرسل إلى من يليه من العرب ، فتوافوا إليه في جمع عظيم ، وكان فيمن جاءه أنس بن هلال النمري في جمع عظيم من النمر ، نصارى ، وقالوا : نقاتل مع قومنا . وبلغ الخبر رستم والفيرزان فبعثا مهران الهرمذاني إلى الحيرة ، فسمع المثنى ذلك وهو بين القادسية وخفان . فاستبطن فرات بادقلي ، وكتب إلى جرير وعصمة ومن أتاه من الأمداد بالخبر ، وأمرهم بقصد البويب ، ومهران بإزائه من وراء الفرات ، فاجتمع المسلمون بالبويب ممايلي الكوفة اليوم ، وأرسل مهران إلى المثنى يقول : إما أن تعبر إلينا ، وإما أن نعبر إليك ، فقال : المثنى : اعبروا ، فعبر مهران فنزل بشاطئ الفرات ، وعبى المثنى أصحابه ، وكان في شهر رمضان ، فأمرهم بالإفطار ليقووا على عدوهم ، فأفطروا ، وأقبل الفرس في ثلاثة صفوف ، ومع كل صف فيل ، ورجالتهم أمام فيلهم ، ولهم زجل .
فقال المثنى : إن الذي تسمعون فشل ، فالزموا الصمت ، ثم التقوا ، واقتتلوا أشد القتال وأعظمه ، فقتل مهران ؛ قتله غلام نصراني من تغلب ، واستولى على فرسه ، فجعل المثنى سلبه لصاحب خيله ، وكان التغلبي قد جلب خيلاً هو وجماعة من تغلب ، فلما رأوا القتال قاتلوا مع العرب ، وانهزمت الفرس ، وسبقهم المثنى إلى الجسر فافترق الأعاجم مصعدين ومنحدرين ، وأخذتهم خيول المسلمين ، وقتل منهم قتلى كثيرة ، فكانوا يحزرون القتلى مائة ألف ، وسمي ذلك اليوم يوم الإعشار ، وأحصى مائة رجل ، قتل كل رجل منهم عشرة ، وتبعهم المسلمون إلى الليل ، ومن الغد إلى الليل ، وارسل المثنى الخيل في طلب العجم ، فبلغوا السيب ، وغنموا من الغنائم والسبى والبقر شيئاً كثيراً ، فقسمه المثنى فيهم ، ونفل أهل البلاء ، وأعطى بجيلة ربع الخمس .
وأرسل إليه الذين تبعوا من انهزم يعرفونه بسلامتهم ، وأنه لامانع دون القوم ، ويستأذنونه في الإقدام ، فأذن لهم فأغاروا حتى بلغوا ساباط ؛ فتحصن أهله منهم ، واستباحوا القرى ، رجعت مسالح الفرس إليهم ، وسرهم أن يتركوا ماوراء دجلة .

الصفحة 119