كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 123 """"""
واتصلت الأخبار بسعد ، فكتب إلى عمر فأجابه : لا تكربنك ما يأتيك عنهم ، واستعن الله ، وتوكل عليه ، وابعث إليه رجالاُ من أهل المناظرة والجلد يدعونه ، فإن الله تعالى جاعل دعاءهم توهينا لهم ؛ فارسل نفراً ، منهم : النعمان بن مقرن ، وبسر بن أبي رهم ، وحملة بن جؤية ، وحنظلة بن الربيع ، وفرات بن حيان ، وعدي بن سهيل ، وعطارد بن حاجب ، والمغيرة بن زرارة الأسدي ، والأشعث بن قيس ، والحارث بن حسان ، وعاصم بن عمرو ، وعمرو بن معدي كرب ، والمغيرة بن شعبة ، والمثنى بن حارثة ، إلى يزدجرد دعاة ، فقدموا عليه ، فأحضر وزراءه ، وأحضر رستم ، واستشارهم فيما يقول لهم ، واجتمع الناس ينظرون إليهم ، ثم أذن إليهم ، وأحضر الترجمان ، وقال له : سلهم ما جاء لكم ؟ وما دعاكم إلى غزونا ، والولوع ببلادنا ؟ من اجل أننا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا فقال النعمان بن مقرن لأصحابه : إن شئتم تكلمت عنكم ، ومن شاء آثرته . قالوا : بل تكلم ؛ فقال : إن الله رحمنا ، فارسل إلينا رسولاً يأمرنا بالخير ، وينهانا عن الشر ، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة ، فلم يدع قبيلة إلى وقاربه منه فرقة ، وتباعد عنه فرقة ، ثم أمر أن نبتدي إلى من خالفه من العرب فبدأنا بهم ، فدخلوا معه على وجهين ؛ مكره عليه فاغتبط ، وطائع فازداد ، فعرفنا جميعا فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق ، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف ، فنحن ندعوكم إلى ديننا ، وهو بن حسن الحسن ، وقبح القبيح كله ، فإن أبيتم فأمر من الشر هو أهون من آخر شر منه ، الجزية ، فإن أبيتم فالمناجزة ، وإن أجبتم إلى جيننا خلفنا فيكم كتاب الله وأقمنا عليه ، على أن تحكموا بأحكامه ، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم . وإن بذلتم الجزية قبلنا ومنعناكم ، وإلا قاتلناكم .
فتكلم يزدجرد فقال : إني لا أعلم أمة في الأرض أشقى ولا أقل عدداً ، ولا اسوأ ذات بين منكم ، قد كنا نوكل بكم قرى الضواحي فيكفوننا أمركم ، ولا تطمعوا أن تقوموا لفارس ، فإن كان غدر لحقكم فلا يغرنكم منا ، وإن كان الجهد فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم ، وأكرمنا وجوهكم وكسوناكم ، وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم . فاسكت القوم .
فقام المغيرة بن زرارة فقال : أيها الملك ؛ إن هؤلاء رؤوس العرب ووجوههم ، وهم أشراف يستحيون من الأشراف ، وليس كل ماأرسلوا له قالوه ، ولا كل ما