كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 124 """"""
تكلمت به أجابوك عليه ، فجاوبني لأكون الذي ابلغك وهم يشهدون على ذلك . وأما ماذكرت من سوء الحال فهي على ماوصفت أو اشد ، ثم ذكر من سوء عيش العرب ، وإرسال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) إليهم نحو قول النعمان ، وقتال من خالفهم أو الجزية ؛ ثم قال : اختر ماشئت الجزية عن يد وأنت صاغر ، وإن شئت السيف ، أو تسلم فتنجي نفسك .
فقال : لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم ، ثم قال : لاشيء لكم عندي ؛ واستدعى بوقر من تراب ، فقال : احملوه على اشرف هؤلاء ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدينة . ارجعوا إلى صاحبكم فاعملوه أني مرسل إليكم رستم حتى يدفنكم ويدفنه معكم في خندق القادسية ، ثم أورده بلادكم حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور .
فقام عاصم بن عمرو ليأخذ التراب ، وقال : أنا أشرفهم ، أنا سيد هؤلاء ؛ فحمله على عنقه وخرج إلى راحلته فركبها وأخذ التراب ، وقال لسعد عند عوده : أبشر فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم . وقال يزدجرد لرستم : ماكنت ارى أن في العرب مثل هؤلاء ، ما أنتم بأحسن جواباً منهم ، ولقد صدقني القوم ، لقد وعدوا أمرا ليدركنه أو ليموتن عليه ، على أنى وجدت أفضلهم أحمقهم حيث حمل التراب على رأسه .
فقال رستم : أيها الملك ؛ إنه أعقلهم . وخرج رستم وبعث في أثر الوفد ، وقال لثقته : إن أدركهم الرسول تلافينا أرضنا ، وإن أعزوه سلبكم الله أرضكم . فرجع الرسول من الحيرة بقواتهم ، فقال : ذهب القوم بأرضكم من غير شك ، وكان منجماً كاهناً .
ولما سار الوفد أغار سواد بن مالك التميمي على النجاف والفراض ، فاستاق ثلثمائة دابة من بعير وحمار وثور ، وأوقرها سمكا ، وصبح العسكر ، فقسمه سعد بين الناس ؛ فسمي يوم الحيتان . وكانت السرايا تسري إلى طلب اللحوم ، فإن الطعام كان كثيراً عندهم ، وكانوا يسمون الأيام بها ، منها يوم الأباقر ويوم الحيتان . وبعث سعد سرية أخرى ، فأغاروا فأصابوا إبلاً لبنى تغلب والنمر فاستاقوها .

الصفحة 124