كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 126 """"""
وكانت الفيلة تالفه . وبات رستم ليلته . ثم أصبح وارسل إلى سعد أن أرسل إلينا رجلاً نكلمه ويكلمنا ، فارسل إليه ربعي بن عامر ، فأظهر رستم زينته ، وجلس على سرير من ذهب ، وبسط البسط والنمارق والوسائد المنسوجة بالذهب ، وأقبل ربعي على فرسه ، وسيفه في خرقه ، ورمحه مشدود بعصب وقد ، فلما انتهى إلى البسط قيل له : انزل ، فحمل فرسه عليها ، ونزل وسطها بوسادتين شقهما ، وأدخل الحبل فيهما ، فلم ينهوه وأروه التهاون ، وعليه درع ؛ وأخذ عباءة بعيره فتدرعها وشدها على وسطه ، فقالوا له : ضع سلاحك ؛ فقال : لم آتكم فأضع سلاحي بأمركمن أنتم دعوتموني ، فأخبروا رستم ؛ فقال : ائذنوا له .
فأقبل يتوكل على رمحه ويقارب خطوة ، فلم يدع نمرقة ولا بساطاً إلا أفسده وهتكه ، فلما دنا من رستم جلس على الأرض ، وأركز رمحه على البسط ؛ فقيل له : ما حملك على هذا ؟ فقال : إنا لا نستحل القعود على زينتكم ، فقال له الترجمان - واسمه عبود من اهل الحيرة - ماجاء بكم ؟ قال : الله ، وهو بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ، فأرسلنا بدينه إلى خلقه ، فمن قبل ذلك قبلنا منه ، ورجعنا عنهن وتركناه وأرضه ، ومن اباه قاتلناه حتى يقضي الله إلى الجنة أو الظفر .
فقال رستم : قد سمعنا قولكم ، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه ؟ قال : نعم ، وإن مما سن لنا رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ألا نمكن الاعداء أكثر من ثلاث ، فنحن مترددون عنكم ثلاثاً فانظر في أمرك ، واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل : إما الإسلام وندعك وأرضك ، أو الجزية فتقبل فنكف عنك ، وإن احتجت إلينا نصرناك ؛ أو المنابذة في اليوم الرابع إلا أن تبدأنا ، وأنا كفيل بذلك عن أصحابي .
فقال : أسيد أصحابك أنت ؟ قال : لا ، ولكنا كالجسد الواحد ، بعضنا من بعض ، يجير أدنانا على أعلانا . فخلا رستم برؤساء قومه ، فقال : هل رأيتم أوسمعتم كلاماً قط أعز وأوضح من كلام هذا الرجل ؟ فقالوا : معاذ الله أن نميل إلى دين هذا الكلب ، أما ترى إلى ثيابه فقال : ويحكم لا تنظروا إلى الثياب ، ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة ؛ إن العرب تستخف باللباس ، وتصون الأحساب ؛ ليسوا مثلكم .