كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 127 """"""
فلما كان من الغد أرسل رستم إلى سعد : أن أبعث إلينا ذلك الرجل ، فبعث إليهم حذيفة بن محصن ، فأقبل في نحو من ذلك الزي ، فلم ينزل عن فرسه حتى وقف على رستم . فقال له : انزل ، قال : لا أفعل ، فقال : ماجاء بك ولم يأت الأول ؟ قال : إن أميرنا يحب أن يعدل بيننا في الشدة والرخاء ، وهذه نوبتي . فقال : ماجاء بكم ؟ فأجابه نحو الأول . فطلب رستم الموادعة إلى يوم ما .
فقال : نعم ، ثلاثاً من أمس ، فرده .
وأقبل رستم على أصحابه فقال : ويحكم ألا ترون ما أرى ؟ جاءنا الأول بالأمس فغلبنا على أرضنا ، وحقر مانعظم ، وأقام فرسه على زبرجنا ؛ وجاء هذا اليوم فوقف علينا وهو في يمن الطائر ، يقوم على أرضنا دوننا .
فلما كان الغد أرسل أن ابعثوا لنا رجلاً ، فبعث إليهم المغيرة بن شعبة ، فأقبل عليهم ، وعليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب ، وبسطهم على غلوة سهم ، لا يوصل إلى صاحبهم حتى يمشي عليها ، فأقبل المغيرة حتى جلس مع رستم على سريره ، فوثبوا عليه وأنزلوه ومعكوه ؛ فقال : قد كان يبلغنا عنكم الأحلام ، ولا أرى قوما أسفة منكم ؛ إ ، ا معشر العرب لا يستعبد بعضنا بعضاً ، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى ، فكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض ، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم ولا يصنعه أحد ، وأنا لم آتكم ولكن دعوتموني ، اليوم علمت أنكم مغلوبون ، وأن ملكاً لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول .
فقالت السفلة : صدق والله الأعرابي .
قال الدهاقين : والله لقد رمى بكلام لا يزال عبيدنا ينزعون إليه ، قاتل الله أولينا حين كانوا يصغرون أمره هذه الأمة ثم تكلم رستم ، فحمد قوته ، وعظم أمرهم ، وذكر تمكنهم في البلاد ، وقوة سلطانهم ، وذكر معيشة العرب وما هو عليه من الفاقة ، وقال : كنتم تقصدوننا إذا قحطت بلادكم ، فنأمر لكم بشيء من التمر والشعير ، ثم نردكم ، وقد علمت أنه لم