كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 129 """"""
كثير من الكلام ، إنكم كنتم أهل جهد وقشف ، لاتنتصفون ولا تمتنعون ، فلم نسئ جواركم ، وكنا نميركم ونحسن إليكم ، فلما طعمتم طعامنا ، وشربتم شرابنا ، وصفتم لقومكم ذلك ، ووعدتموهم ثم أتيتمونا ، وإنما مثلكم ومثلنا كمثل رجل كان له كرم ، فرأى فيه ثعلباً ، فقال : وما ثعلب فانطلق الثعلب فدعا الثعالب إلى ذلك الكرم ، فلما اجتمعوا إليه شد صاحب الكرم النقب الذي كن يدخلن منه فقتلهن . فقد علمت أن الذي حملكم على هذا الحرص والجهد ، فارجعوا ونحن نميركم ؛ فإنى لا أشتهي أن أقتلكم . ومثلكم أيضاً كالذباب يرى العسل فيقول : من يوصلني إليه وله درهمان ، فإذا دخله غرق ونشب ، فيقول من يخرجني وله أربعة دراهم ؟ وقال : ما دعاكم إلى ماصنعتم ، ولا أرى عدداً ولا عدة قال : فتكلم القوم ، وذكروا سوء حالهم ، وما من الله تعالى عليهم من إرسال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، واختلافهم أولاً ، واجتماعهم على الإسلام ، وما أمرهم به من الجهاد ، وقالوا : وأما ما ضربت لنا من الأمثال فليس كذلك ، ولكن إنما مثلكم كمثل رجل غرس أرضاً وأختار لها الشجر ، وأجرى إليها الأنهار وزينها بالقصور ، أقام فيها فلاحين يسكنون قصورها ويقومون على جناتها ، فخلا الفلاحون القصور على مالا يحب ، فأطال إمهالهم فلم يستجيبوا ، فدعا إليها غيرهم وأخرجهم منها ، فأن ذهبوا عنها يختطفهم الناس ، وإن أقاموا فيها صاروا خولاً لهؤلاء ، فيسومونهم الخسف أبداً ، والله لو لم يكن ما نقول حقاً ولم يكن إلا الدنيا لما صبرنا عن الذي نحن فيه من لذيذ عيشكم ، ورأينا من ذبرجكم ، ولقارعناكم عليه ؛ فقال رستم : أتعبرون إلينا أم نعبر إليكم ؟ فقالوا : بل أعبروا إلينا . ورجعوا من عنده عشياً ، وأرسل سعد إلى الناس أن يقفوا مواقفهم ، وأرسل إليهم شأنكم والعبور ، فأرادوا الجواز على القنطرة فمنعهم المسلمون ، وقالوا : أما شيء غلبناكم عليه فلا نرده عليكم ، فباتوا يسكرون العتيق بالتراب والقصب والبراذع حتى الصباح ، وجعلوا طريقاً ، واستتم بعد ما ارتفع النهار . ورأى رستم من الليل كأن ملكاً نزل من السماء ، فأخذ قسي أصحابه فختم عليها ، ثم صعد بها إلى السماء ، فاستيقظ مهموماً ، واستدعى خاصته فقصها عليهم ، وقال : إن الله ليعظنا لو اتعظنا ، ثم ركب ، وعبر

الصفحة 129