كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 132 """"""
وحملت الفيلة على المسلمين ، ففرقت بين الكتائب ، فنفرت الخيل ، وكانت الفرس قد قصدت بجيلة بسبعة عشر فيلاً ، فنفرت خيل بجيلة ، فكادت بجيلة تهلك لنفار خيلها عنها وعمن معها . فأرسل سعد إلى بني أسد أن دافعوا عن بجيلة ومن معها ، فخرج طليحة بن خويلد ، وحمال بن مالك في كتائبهما ، فباشروا الفيلة حتى عدلها ركبانها ، وخرج إلى طليحة عظيم منهم ، فقتله طليحة .
وقام الأشعث بن قيس في كندةن فأزالوا من بإزائهم من الفرس ، ثم حمل الفرس ، وفيهم ذو الحاجب والجالينوس ، والمسلمون ينتظرون التكبيرة الرابعة من سعد ، فاجتمعت الفرس على اسد ومعهم تلك الفيلة فثبتوا لهم ، وكبر سعد الرابعة ، فزحف المسلمون إليهم ، ورحا الحرب تدور على أسد ، وحملت الفيول على الميمنة والميسرة ، فحادث الخيول عنها ، فارسل سعد إلى عاصمبن عمرو ، فقال : يا معشر بني تميم ، أما عندكم لهذه الفيلة من حيلة ؟ قالوا : بلى والله .
ثم نادى عاصم في رجال من قومه رماة وآخرين ، لهم ثقافة ، فقال : يا معشر الرماة ، ذبوا ركبان الفيلة عنهم بالنبل ، ويا معشر أهل الثقافة ؛ استدبروا الفيلة ، فقطعوا وضنها .
وخرج يحميهم وقد جالت الميمنة والميسرة ، وأقبل أصحاب عاصم ، فأخذوا بأذناب الفيلة فقطعوا وضنها ، وارتفع عواوهم ، فما بقي فيل إلا عوى ، وقتل أصحابها ، ونفس عن أسد ، ورد الفرس عنهم إلى مواقفهم ، ودام القتال حتى غربت الشمس ، حتى ذهبت هدأة من الليل ، ثم رجع هؤلاء وهؤلاء ، وقد أصيب من أسد تلك الليلة خمسمائة ، وكانوا ردءاً للناس ، وكان عاصم حامية للناس .
وكان سعد تزوج سلمى امرأة المثنى بن حارثة بعده ، فلما جال الناس في هذا اليوم ، جعل سعد يتململ جزعاً على الناس وهو لا يطيق الجلوس ، فلما رأت ما يصنع الفرس ، قالت : وامثناه ، ولا مثنى للخيل اليوم فلطم وجهها وقال : أين المثنى عن هذه الكتيبة التي تدور عليها الرحا ؟ يعني أسداً وعاصماً ؛ فقالت : أغيره وجبنا فقال : والله لا يعذرني أح أن لم تعذرني أحد أن لم تعذريني ، وأنت لا ترين ما بي . . .
والله تعالى اعلم بالصواب ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .