كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 133 """"""
ذكر أغواث
قال : لما اصبح سعد وكل بالقتلى من ينقلهم ليدفنوا ، وأسلم الجرحى إلى النساء يقمن عليهم ، فبينا الناس على ذلك إذ طلعت نواصي الخيل من الشام ، وكان عمر لما فتحت دمشق قد كتب إلى أبي عبيدة يأمره بإرسال أهل العراق ، فأرسلهم وأمر عليهم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص . وعلى مقدمته القعقاع بن عمرو ، فتعجل القعقاع ، فقدم على الناس صبيحة هذا اليوم ، وقد عهد إلي أصحابه أن يتقطعوا اعشار وهم الف ، كلما بلغ عشرة مد البصر سرحوا عشرة ، وتقدم هو في عشرة ، فأتى الناس فسلم عليهم ، وبشرهم الجنود ، وحرضهم على القتال ، وقال : اصنعوا كما اصنع ، وطلب البراز ، فخرج إليه ذو الحاجب ، فعرفه القعقاع ، ونادى : بالثارات أبي عبيد وسليط وأصحاب الجسر واقتتلا ، فقتله القعقاع .
وجعلت خيله ترد إلى الليل ، ونشط الناس ، وكأن لم تكن بالأمس مصيبة ، وانكسرت الأعاجم لقتل ذي الحاجب ، فطلب القعقاع البراز ، فخرج إليه الفيرزان والبندوان ، فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان ، ونادى القعقاع : يامعشر المسلمين ، باشروهم بالسيوف ، فإنما يحصد الناس بها ، فاقتتلوا حتى المساء ، فلم ير أهل فارس في هذا اليوم ماي يعجبهم ، وأكثر المسلمون فيهم القتل ، ولم يقاتلوا في هذا اليوم على فيلة ؛ كانت توابيتها قد تكسرت بالأمس ، فاستأنفوا عملها ، وحمل بنو عم القعقاع عشرة عشرة على إبل قد أليسوها وجللوها وبرقعوها ، وطافت بهم خيولهم تحميهم ، وأمرهم القعقاع أن يحملوا على خيل الفرس يتشبهون بالفيلة ، ففعلوا في يوم أغواث ، كما فعل الفرس في يوم أرماث ، فنفرت خيل الفرس من الإبل ، فلقوا منها أعظم مالقي المسلمون من الفيلة ، وحمل القعقاع يومئذ ثلاثين حملة ، كلما طلعت قطعة حمل حملة ، وأصاب فيها ، وقيل : وكان آخرهم بزرجمهر الهمذاني .
وكان أبو محجن الثقفي ، واسمه مالك بن حبيب ، وقيل : عبد الله بن حبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غبرة بن عوف بن قسي ، وهو ثقيف ، قد حبس في القصر وقيد .

الصفحة 133