كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 134 """"""
واختلف في سبب ذلك ؛ فقيل : كان قد خالف على خالد بن عرفطة خليفة سعد ، وقيل : بل كان عمر قد جلده في الخمر مراراً ثمانية وهو لا يتوب ولا يقلع ، فنفاه إلى جزيرة في البحر ، وبعث معه رجلا ، فهرب منه ولحق بسعد ، فكتب إليه عمر بحبسه . وقيل : بل كان مع سعد ، فأتى به وهو سكران ، فأمر به إلى القيد ، فلما التجم القتال قال :
كفى حزنا أن تردي الخيل بالقنا . . . وأترك مشدوداً على وثاقيا
إذا قمت عناني الحديد وأغلقت . . . مصارع من دوني تقيم المناديا
وقد كنت ذا مال كثير وأخوه . . . فقد تركوني واحدا لا أخاليا
وقد شف جسمي انني كل شارق . . . أعالج كبلا مصمتا قد برانيا
فلله درى يوم أترك موثقاً . . . وتذهل عني أسرتي ورجاليا
حبيسا عن الحرب العوان وقد بدت . . . وإعما غيري يوم ذاك العواليا
ولله عهد لا أخيس بعهده . . . لئن فرجت ألا أزور الحوانيا
ثم قال لسلمى انبة خصفة امرأة سعد : ويحك خليني ، ولك عهد الله إن سلمني الله أن اجيء حتى أضع رجلي في القيد ، وإن قتلت استرحتم مني ، فحلت عنه ، فوثب على فرس لسعد يقال لها : البلقاء ، ثم أخذ الرمح وانطلق حتى كان بحيال الميمنة كبر ، ثم حمل على ميسرة الفرس ، ثم رجع من خلف المسلمين وحمل على ميمنتهم ، وكان يقصف الناس قصفاً منكراً ، فتعجب الناس منه وهم لا يعرفونه ، فقال بعضهم : هو من أصحاب هاشم ، أو هاشم نفسه . وقال بعض الناس : هو الخضر . وقال بعضهم : لولا أن الملائكة لا تباشر الحرب لقلنا إنه ملك .
وجعل سعد يقول حين ينظر إليه وإلى الفرس : الصبر صبر البلقاء ، والطعن طعن أبي المحجن . وأبو محجن في القيد ، فلما انتصف الليل وتراجع المسلمون والفرس ، أقبل أبو محجن فدخل القصر ، وأعاد رجليه في القيد ، وقال :
لقد علمت ثقيف غير فخر . . . بأنا نحن أكرمهم سيوفاً
أكثرهم دروعا سابغات . . . أصبرهم إذا كرهوا الحتوفا