كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 135 """"""
وأنا وفدهم في كل يوم . . . فإن عميوا فسل بهم عريفا
وليلة قادس لم يشعروا بي . . . ولم أشعر بمخرجي الزحرفا
فإن أحبس فذلكم بلائي . . . وإن أترك اذيقهم الحتوفا
فقالت له سلمى : في أي شيء حبسك ؟ فقال : أما والله ما حبسني بحرام أكلته ولا شربته ؛ ولكني صاحب شراب في الجاهلية ، وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني ، فقلت مرتجلاً في ذلك أبياتاً :
إذا مت فادفني إلى أصل كرمة . . . تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفههي بالفلاة فإنني . . . أخاف إذا مامت ألا أذوقها
فلذلك حبسني ، فلما اصبحت أتت سعداً فصالحته واخبرته بخبر أبي محجن ، فأطلقه ، وقال : اذهب ، فما أنا بمؤاخذك بشيء تقوله حتى تفعله ، قال : لاجرم والله لا اجيب لساني إلا قبيح أبداً .
وقد قيل : إن سعداً لما أخبر بأمره دعاه وحل قيوده ، وقال : لاتجلدن على الخمر ابداً : فقال أبو محجن : وأنا ولله لا أشربها أبداً ، فقد كنت آنف أن أدعها من اجل جلدكم .
وقيل : بل قال : قد كنت أشربها إذ يقام على الحد وأطهر منها ، فأما إذا بهرجتني فوالله لا أشربها أبداً .
ذكر يوم عماس وهو اليوم الثالث
قال : وأصبح الناس في هذا اليوم وبين الصفين من صرعي المسلمين ألفان من جريح وقتيل ، ومن المشركين عشرة آلاف ، فنقل المسلمون قتلاهم إلى المقابر ، وجرحاهم إلى النساء ، وكان النساء والصبيان يحفرون القبور ويداوون الجرحى ، وأما قتلى المشركين فبين الصفين لم ينقلوا ، وبات القعقاع تلك الليلة بسرب أصحابه إلى المكان الذي كان فارقهم فيه ، وقال : إذا طلعت الشمس فاقتلوا مائة مائة ، فإن جاء هاشم فذاك ، وإلا جددتم للناس رجاء جديداً . ولم يشعر به أحد ، وأصبح الناس على مواقفهم .