كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 136 """"""
فلما بزغت الشمس أقبل أصحاب القعقاع ، فحين رآهم كبر وكبر المسلمون ، وتقدموا وتكتبت الكتائب ، واختلف الطعن والضرب ، والمدد متتابع ، فما جاء آخر أصحابه حتى انتهى إليهم هاشم ، فأخبر بما صنع القعقاع ، فعبى أصحابه سبعين سبعين ، وكان فيهم قيس بن هبيرة المعروف بابن المكشوح المرادي ، فكبر وكبر المسلمون ، ثم حمل على الفرس فقاتلهم حتى خرق صفهم إلى العتيق ثم عاد ، وكانت الفرس فقاتلهم حتى خرق صفهم إلى العتيق ثم عاد ، وكانت الفرس قد أصلحوا توابيتهم وأعادوها على الفيلة ، وأقبلت الرجالة حول الفيلة يحمونها أن تقطع وضنها ، ومع الرجالة فرسان يحمونهم ، فلم تنفر الخيل منهم كما كانت ؛ لاختلاط خيل الفرس ورجالها بها .
قال : ولما رأى سعد الفيول ، وقد فرقت الكتائب وعادت لفعلها ، أرسل إلى القعقاع وعاصم بني عمرو : أن أكفياني الفيل الأبيض ، وكان بإزائهما والفيول كلها آلفة له .
وقال لحمال والربيل : أكفياني الفيل الأجرب وكان بإزائهما ، فحمل القعقاع وعاصم برمحيهما وتقدما في خيل ورجل حتى وضعاهما في عيني الفيل الأبيض ، فنفض رأسه ، وطرح ساسته ، ودلى مشفرة .
فضربه القعقاع ، فرمى به ووقع لجنبه ، وقتلوا من كان عليه ، وحمل حمال والربيل الأسديان على الفيل الأجرب ، فطعنه حمال في عينه فاقعى ، ثم استوى ، وضربه الربيل فأبان مشفرة ، فتحير الفيل ؛ إذا جاء إلى صف المسلمين زجروه بالرماح ليرجع ، وإذا أتى صف الفرس نخسوه ليتقدم ، فولى الفيل وألقى نفسه في العتيق ، وتبعته الفيلة فخرقت صفوف الأعاجم . واقتتل الفريقان حتى المساء وهم على السواء ، فلما أمسى الناس اشتد القتال ، وصبر الفريقان فخرجا على السواء ، ثم كانت ليلة الهرير . والله سبحانه وتعالى أعلم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، وصلى الله على سيدنا محمد .
ذكر ليلة الهرير
قيل : وإنما سميت بذلك لتركهم الكلام ، وإنما كانوا يهرون هريراً ، وهي الليلة التي تلي يوم عماس . قال : وخرج مسعود بن مالك الأسدي ، وعاصم بن عمرو ، وقيس بن هبيرة وأشباههم ، فطاردوا القوم ، فإذا هم لا يشدون ولا يريدون غير الزحف ،