كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 137 """"""
فقدموا صفوفهم ، وزاحفهم الناس بغير إذن سعد ، فكان أول من زاحفهم القعقاع ، فقال سعد : اللهم اغفرها له وانصره ، قد أذنت له إذ لم يستأذني ، ثم قال : أرى الأمر مافيه هذا ، فإذا كبرت ثلاثاً فاحملوا ، فكبر واحدة ، فحملت اسد ثم النخع ، ثم بجيلة ، ثم كندة ، وسعد يقول عند حملة كل منهم : اللهم اغفرها لهم ، وانصرهم ، ثم زحف الرؤساء ، ورحا الحرب تدور على القعقاع ، ولما كبر الثالثة لحق الناس بعضهم بعضاً ، وخالطوا القوم ، فاستقبلوا الليل بعد ما صلوا العشاء ، واقتتلوا ليلتهم إلى الصباح ، فلما كان عند الصبح انتهى الناس ، فاستدل سعد بذلك على أنهم الأعلوان .
ذكر يوم القادسية وقتل رستم وهزيمة الفرس
قال : وأصبح الناس من ليلة الهرير - وتسمى ليلة القادسية - وهم حسرى ، لم يغمضوا ليلتهم كلها ؛ فسار القعقاع فقال : إن الدائرة بعد ساعة لمن بدأ القوم ، فاصبروا ساعة واحملوا ؛ فإن النصر مع الصبر .
فاجتمع إليه جماعة من الرؤساء صمدوا لرستم حتى خالطوا الذين دونه ، فلما رأت ذلك القبائل قام فيهم رؤسائهم ، وقالوا : لا يكونن هؤلاء أجد في أمر الله منكم ، ولا هؤلاء - يعني الفرس - أجرأ على الموت منكم ، وحملوا وخالطوا من بإزائهم ، فاقتتلوا حتى قام قائم الظهيرة ، فكان أول من زال الفيرزان والهرمزان ، فتأخرا وثبتا حيث انتهيا ، وانفرج القلب وركد عليهم النقع ، وهبت ريح عاصف دبور ، فقلعت طيار رستم عن سريره ، فهوى في العتيق ، ومال الغبار على الفرس ، وانتهى القعقاع ومن معه إلى السرير فعثروا به ، وقد قام رستم عنه حين أطارت الريح الطيار ، واستظل بظل بغل من بغال كانت قد قدمت عليها حمول ، فضرب هلال بن علفة حمل البغل الذي تحت رستم ، فقطع حباله وسقط عليه ، فأزاله رستم عن ظهره ، ثم ضربه هلال ضربة ، ففر نحو العتيق ، وألقى نفسه فيه ، فاقتحمه هلال عليه ، وأخذ يرجله ، ثم خرج به ، وضرب جبينه بالسيف حتى قتله ، ثم صعد على السرير وقال : قتلت رستم ورب الكعبة ؛ إلى إلى فنفله سعد سلبه ، وكان قد أصابه الماء ، ولم يظفر بقلنسوته ، وكانت بمائة ألف .

الصفحة 137