كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 138 """"""
وقيل : إن هلال بن علفة لما قصد رستم رماه بنشابة أثبتت قدمه بالركاب ، فحمل عليه هلال فضربه فقتله ، ثم احتز رأسه فعلقه ونادى : قتلت رستم فانهزم قلب المشركين ، وقام الجالينوس على الردم ، ونادى الفرس إلى العبور ، وانهزموا وأخذهم السيف والإسار ، وأخذ ضرار بن الخطاب الدرفس ، وهو العلم الأكبر الذي كان للفرس ، فعوض عنه بثلاثين ألفاً ، وكانت قيمته ألف ألف ومائتي ، وجعل في بيت المال .
وقتل في هذه المعركة من الفرس عشرة آلاف سوى من قتل قبلها ، وأما المقترنون فما أفلت منهم مخبر ، وهم ثلاثون ألفاً .
وقتل من المسلمين قبل ليلة الهرير ألفان وخمسمائة ، وقتل في ليلة الهرير ويوم القادسية ستة آلاف ، فدفنوا بالخندق ، ودفن من كان قبل ليلة الهرير على مشرق .
وكان ممن استشهد في حرب القادسية بنو خنساء الأربعة ، وكان من خبرهم أن أمهم الخنساء الشاعرة بنت عمرو بن الشريد السلمية حضرت القادسية ومعها بنوها الأربعة ، وهم رجال ، فقالت لهم من أول الليل : يابني ، إنكم أسلمتم طائعين ، وهاجرتم مختارين ، والله الذي لا إله إلا هو ، إنكم لبنو رجل واحد ، كما أنكم بنو امرأة واحدة ، ماخنت أباكم ، ولا فضحت خالكم ، ولا هجنت حسبكم ، ولا غيرت نسبكم ؛ وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين ، وأعلموا أن الدار الباقية ، خير من الدار الفاتنة ؛ يقول الله عز وجل : " ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون " فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين ، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين ، وبالله على أعدائه مستنصرين ، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها ، واضطرمت لظى على سباقها ، وجللت نارا على أوراقها ، فتيمموا وطيسها ، وجالدوا رئيسها ؛ عند احتدام خميسها ، تظفروا بالغنم والكرامة ، في دار الخلد والمقامة .
فخرج بنوها قابلين لنصحها ، عازمين على قولها ، فلما اضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم ، وأنشأ أولهم يقول :
ياأخوتي إن العجوز الناصحة . . . قد نصحتنا إذ دعتنا البارحة

الصفحة 138