كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 144 """"""
ا تخلصون إليه معه ، ويخلصون إليكم في سفنهم إذا شاءوا ، وليس ورائكم ما تخافون منه ، فقد كفاكم الله أهل الأيام ، وقد رأيت من الرأي أن تجاهدوا العدو ؛ إلا أني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم ؛ فقالوا : جميعاً : عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل .
فندب الناس على العبور ، وقال : من يبدأ ويحمي لنا الفراض حتى تتلاحق به الناس ، لكيلا يمنعوهم من العبور ؟ فانتدب له عاصم بن عمرو ذو البأس في ستمائة من أهل النجدات ، فاستعمل عليهم عاصماً ، فتقدمهم عاصم في ستين فارساً ، قد اقتحموا دجلة ، فلما رآهم الأعاجم ، وما صنعوا أخرجوا للخيل التي تقدمت مثلها فاقتحموا عليهم دجلة ، فلقوا عاصماً وقد دنا من الفراض ، فقال عاصم : الرماح الرماح أشرعوها ، وتوخوا العيون ، فالتقوا ، فطعنهم المسلمون في عيونهم ، فولوا ولحقهم المسلمون ، فقتلوا أكثرهم ، ومن نجا صار أعور ، وتلاحق الستمائة بالستين .
ولما رأى سعد عاصماً على الفراض قد منعها ؛ أذن للناس في الاقتحام ، وقال : نستعين بالله ، ونتوكل عليه ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم . واقتحم الناس دجلة يتحدثون كما يتحدثون في البر ، وطبقوا دجلة حتى ما يرى من الشاطئ شيء .
قال : ولم يكن بالمدائن أعجب من دخول الماء ، وكان يدعى يوم الجراثيم ، لا يبقى أحد إلاانتشرت له جرثومة من الأرض يستريح عليها ؛ حتى ما يبلغ الماء حزام فرسه ، فعبروا سالمين ، لم يعدم منهم أحد ، ولا عدم لأحد شيء إلا قدح لمالك بن عامر سقط منه فجرى في الماء ، ثم ألقته الريح إلى الشاطئ ، فأخذه صاحبه ، فلما رأى الفرس عبورهم خرجوا هراباً نحو حلوان ، وكان يزدجرد قد قدم عياله إليها قبل ذلك .
ولما هرب حمل أصحابه من بيت المال ما قدروا عليه مما خف ، ومن النساء والذراري ، وتركوا في الخزائن من المتاع والثياب والألطاف مالا تدرك قيمته ، وتركوا ما قد أعدوه للحصار من الأطعمة والغنم والبقر ، وكان في بيت المال ثلاثة آلاف ألف ، أخذ منها رستم عند مسيره إلى القادسية النصف ، وبقي النصف .