كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 145 """"""
وكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال ، وهي كتيبة عاصم بن عمرو ، ثم كتيبة الخرساء وهي كتيبة القعقاع بن عمرو ، فأخذوا في سككها وأحاطوا بالقصر الأبيض وبه من بقي من الفرس ، فأجابوا إلى الجزية والذمة ، فتراجع إليهم أهل المدائن على مثل عهدهم ، ونزل سعد القصر الأبيض ، وسرح زهرة في آثارهم إلى النهروان ، وسرح مقدار ذلك في كل جهة .
وكان سلمان الفارسي رائد المسلمين وراعيهم . دعا أهل بهرسير ثلاثاً ، وأهل القصر الأبيض ثلاثاً . واتخذ سعد إيوان كسرى مصلى ، ولم يغير ما فيه من التماثيل ، ولما دخل الإيوان ، قرأ : " كم تركوا من جنات وعيون ، وزروع ومقام كريم ، ونعمة كانوا فيها فاكهين ، كذلك أورثناها قوما آخرين " وصلى فيه صلاة الفتح ثماني ركعات لايفصل بينهن ، وأتم الصلاة لأنه نوى الإقامة ، وكانت أول جمعة أقيمت بالمدائن في صفر سنة ست عشرة .
ذكر ما جمع من غنائم أهل المدائن وقسمتها
قال : وجعل سعد على الأقباض عمرو بن مقرن ، وعلى القسمة سلمان بن ربيعة الباهلي ، فجمع ما في القصر والإيوان والدور ، وأحصى مايأتيه به أهل الطلب ، ووجدوا بالمدائن قباباً تركية مملؤءة سلالاً مختومة برصاص فيها آنية الذهب والفضة ، فكان الرجل يطوف ويبيع الذهب بالفضة مثلاً بمثل ، ورأوا كافورا كثيراً فحسبوه ملحاً فعجنوا به وجدوه مراً .
وأدرك الطلب مع زهرة جماعة من الفرس على جسر النهروان فازدحموا عليهم ، فوقع منهم بغل في الماء فأخذه المسلمون وفيه حلية كسرى وثيابه ، وخرزاته ووشاحه ، ودرعه المجوهر . ولحق بعض المسلمين بغلين مع فارسين فقتلهما ، وأخذ البغلين فأوصلهما إلى صاحب الأقباض ، وهو يكتب ما يأتيه به الناس ، فاستوقفه حتى ينظر ماجاء به ؛ فإذا على أحدهما سفطان فيهما تاج كسرى مفسخاً ، وكان حمله على اسطوانتين ، وفيه الجوهر ، وعلى البغل الثاني سفطان فيهما ثياب كسرى من الديباج المنسوج بالذهب المنظوم بالجوهر ، وغير الديباج منسوجا منظوماً . وأدرك القعقاع فارسياً فقتله وأخذ منه عيبتين في إحدهما

الصفحة 145