كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 147 """"""
والقطيف : بساط واحد طوله ستون دراعاً ، وعرضه مثل ذلك مقدار جريب . كانت الأكاسرة إذا دهبت الرياحين بعد الشتاء شربوا عليه ، فكأنهم في رياض ، فيه طرق كالقصور ، وفصوص كالأنهار ، أرضه مذهبة ، وخلال ذلك فصوص كالدر ، وفي حافاته كالأرض المزروعة والمبقلة بالنبات والورق من الحرير على قضبان الذهب ، وأزهاره الذهب والفضة ، وثماره الجوهر واشباه ذلك .
فلما وصل إلى عمر استشار المسلمين فيه ، فأشاروا بقطعه ، فقطعه بينهم ، فاصاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه قطعة منه ، فباعها بعشرين الفاً ، ولم تكن أجود من غيرها .
ذكر وقعة جلولاء وفتح حلوان
كانت وقعة جلولا في اول ذي القعدة سنة ست عشرة ، بينها وبين المدائن تسعة اشهر ، وسببها ان الفرس لما هربوا من المدائن انتهوا إلى جلولاء ، فافترقت الطرق بأهل أذربيجان والباب ، وأهل الجبال وفارس ، فقالوا : إن افترقتم لم تجتمعوا أبداً ، وهذا مكان يفرق بيننا ، فهلموا فلنجتمعوا للعرب به ، ولنقاتلهم فإن كانت لنا فهو الذي نحب ، وإن كانت الأخرى كنا قضينا الذي علينا ، وابلينا عذراً . فاجتمعوا واحتفروا خندقاً ، واجتمعوا فيه على مهران الرازي ، وتقدم يزدجرد إلى حلوان ، فبلغ ذلك سعداً ، فارسل إلى عمر ، فبعث إليه أن سرح هاشم بن عتبة بن أبي وقاص إلى جلولاء ، وأجعل على مقدمته القعقاع بن عمرو ، إن هزم الله الفرس فاجعل القعقاع بين السواد والجبل ، وليكن الجند اثني عشر ألفاً . ففعل سعد ذلك .
وسار هاشم من المدائن في وجوه المهاجرين والأنصار وأعلام العرب ، فمر ببابل مهروذ ، فصالحه دهقانها ؛ على أن يفرش له جريب الأرض دراهم ففعل ، ثم قدم جلولاء فحاصرهم في خنادقهم ، وأحاط بهم ، وطاولهم الفرس وجعلوا لا يخرجون إلا إذا أرادوا ، وراجعهم المسلمون نحو ثمانين يوماً ، كل ذلك ينصر المسلمون عليهم ، وجعلت الأمداد ترد من يزدجرد إلى مهران ، ومن سعد إلى المسلمين .