كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 148 """"""
وخرج الفرس يوماً فقاتلوا قتالاً شديداً ، وأرسل الله عليهم ريحاً حتى أظلمت عليهم البلاد ، فسقط فرسانهم في الخندق ، فجعلوا فيه طرقاً تصعد منها خيلهم ، ففسد الخندق ، فنهض المسلمون واقتتلوا قتالاً شديداً لم يقتتلوا مثله ، ولا ليلة الهرير ، إلا أنه كان أعجل .
وانتهى القعقاع من الوجه الذي زحف منه إلى باب الخندق ، وأمر منادياً فنادى : يامعشر المسلمين ، هذا أميركم قد دخل الخندق ، فأقبلوا إليه ، ولا يمنعكم من بينكم وبينه من دخوله ، فحملوا وهم لا يشكون أن هاشماً في الخندق ، فإذا هم بالقعقاع ، فانهزم الفرس يمنة ويسر ، وأتبعهم المسلمون ، فلم يفلت منهم إلا القليل ، وقتل منهم يومئذ مائة ألف ، فجللت القتلى المجال ، ومابين يديه وما خلفه فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم ، وسار القعقاع في الطلب حتى بلغ خانقين ، فأدرك مهران الرازي فقتله ، وأدرك الفيرزان ، فنزل وتوفل في الجبل فنجا ، وأصاب القعقاع سبايا فأرسلهن إلى هاشم فقسمهن ، فاستولدهن المسلمون ، وممن ينسب إلى ذلك السبي أم الشعبي . قال : ولما بلغت الهزيمة يزدجرد سار من حلوان نحو الري ، واستخلف على حلوان خسر شنوم ، فلما وصل القعقاع قصر شيرين خرج إليه خسر شنوم ، وقدم إليه الزينبي دهقان حلوان ، وكان فتحها في ذي القعدة ، وبقي القعقاع بها إلى أن تحول سعد إلى الكوفة ، فلحقه ، واستخلف على حلوان قباذ ، وكان أصله خراسانياً ، وكتبوا إلى عمر بالفتح ، واستأذنوه في العبور فأبى ، وقال : لوددت أن بين السواد والجبل سداً لا يخلصون إلينا ولا نخلص إليهم ، حسبنا من الريف السواد ، وإني آثرت سلامة المسلمين على الأنفال .
قال : وجمعت الغنائم وقسمت بعد الخمس ، فأصاب كل فارس تسعة آلاف ، وتسعة من الدواب ، وقسم الفئ على ثلاثين ألفاً .
وقيل : إن الغنيمة كانت ثلاثين ألف الف ، وبعث سعد بالخمس إلى عمر ، وستة آلاف ألف ، وبعث الحساب مع زياد بن أبيه ، فكلمه عمر فيما جاء له ، فوصفه له ، فقال له عمر : هل تستطيع أن تقوم في الناس بمثل ما كلمتني ؟ فقال : والله ما على الأرض شخص أهيب في صدري منك ، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك فقام في الناس فتكلم بما أصابوا وبما صنعوا ، وبما يستأنفون من الانسياح في البلاد .

الصفحة 148