كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 156 """"""
وقتل البراء بن مالك في هذا الحصار مائة مبارز سوى من قتل في غير المبارزة ، وقتل مثله مجزأة بن ثور وكعب بن ثور ، وزاحفهم المسلمون أيام تستر ثمانين زحفاُ يكون مره لهم ومرة عليهم ، فلما كان آخر زحف فيها ، واشتد القتال ، قال المسلمون : يا براء ، أقسم على ربك ليهزمنهم ، وكان مجاب الدعوة فقال : اللهم أهزمهم لنا ، واستشهدني ، فهزموهم حتى أدخلوا خنادقهم ، ثم اقتحموها عليهم ، فدخلوا مدينتهم ، وأحاط بها المسلمون ، فضاقت المدينة بهم . فبينما هم كذلك إذ خرج إلى النعمان رجل يستأمنه على أن يدله على مدخل يدخلون منه ، ورمى في ناحية أبي موسى بسهم مكتوب عليه : إن أمنتموني دللتكم على مكان تأتون منه المدينة ، فأمنوه في سهم ، ورمى إليهم بسهم آخر وقال : أسلكوا من قبل مخرج الماء ؛ فإنكم ستفتحونها . فندب أبو موسى الناس فانتدبوا ، وندب النعمان أصحابه مع الرجل الذي جاءهم ، فالتقوا هم وأهل البصرة على مخرج الماء ، فدخلوا في السرب ، ولما دخلوا المدينة كبروا وكبر المسلمون من خارج ، وفتحت الأبواب فاجتلدوا فيها ، فأناموا كل مقاتل .
وقصد الهرمزان القلعة ، فتحصن بها ، ولحق به جماعة ، وطاف به الذين دخلوا البلد ، فنزل إليهم على حكم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فأوثقوه واقتسموا ما أفاء الله عليهم ، فكان قسم الفارس ثلاثة آلاف ، والراجل ألفاً .
وجاء صاحب السهم والرجل الذي خرج بنفسه فأمنوهما ومن أغلق بابه معهما .
وخرج أبوسبرة في أثر المنهزمين إلى السوس ، فنزل عليها ، ومعه النعمان وأبو موسى ، وكتبوا إلى عمر ، فكتب برد أبي موسى إلى البصرة ، فانصرف إليها ، وأرسل أبو سبرة وفدا إلى عمر رضي الله عنه ، فيهم : أنس بن مالك والأحنف بن قيس ، ومعهم الهرمزان فقدموا به المدينة وألبسوه كسوته من الديباج المذهب ، وتاجه كان مكللاً بالياقوت وعليه حليته ؛ ليراه عمر والمسلمون .
فوجدوا عمر في المسجد متوسداً برنسه ، وكان قد لبسه لوفد قدم عليه من الكوفة ، فلما انصرفوا توسده ونام ، فجلسوا وهو نائم والدرة في يده . فقال الهرمزان : أين عمر ؟ فقالوا : هو ذا ، فقال : أين حرسه وحجابه ؟ فقالوا : ليس له حارس ولا حاجب ولا كاتب . فقال : ينبغي أن يكون نبياً ، قالوا : بل يعمل بعمل الأنبياء وكثر الناس

الصفحة 156