كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 164 """"""
النعمان القعقاع بن عمرو ، وكان على المجردة ، فأنشب القتال ، وأخرجهم من خنادقهم كأنهم جبال من حديد ، وقد تواثقوا ألا يفروا وقرن بعضهم ؛ لئلا ينهزموا ، فلما خرجوا نكص القعقاع ، فاغتنمها الأعاجم ففعلوا كما ظن طليحة . وقالوا : هي هي .
ولحق القعقاع بالناس ، وانقطع الفرس عن حصنهم ، وأمر النعمان أصحابه أن يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم ، ففعلوا ، واستتروا بالحجف من الرمي ، وأقبل المشركون يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراح ، والنعمان ينتظر بالقتال أحب الساعات كانت إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ ذلك عند الزوال ، فلما كان قريباً من تلك الساعة ركب النعمان فرسه ، وسار في الناس يرضهم على القتال ، ويذكرهم يمنيهم الظفر ، وقال : إنى مكبر ثلاثاً ، فإذا كبرت الثالثة فإنى حامل ، فأحملوا ، فإن قتلت فالأمير بعدي حذيفة ، فإن قتل ففلان ، حتى عد سبعة أخرهم المغيرة ، ثم قال : اللهم أعزز دينك بنصر عبادك . وقيل : بل قال : اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام ، وأقبضني شهيداً .
فبكى الناس ثم رجع إلى موقفه ، فكبر ثلاثاً ، والناس سامعون مطيعون مستعدون للقتال ، وحمل وحمل الناس ، وانقضت رايته نحوهم انقضاض العقاب ، فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يسمع بوقعة كانت أشد منها ، وصبر المسلمون صبراً عظيماً ، وانهزم الأعاجم ، وقتل منهم ما بين الزوال والإعتام ما طبق أرض المعركة حتى زلق الناس والدواب في الدماء ، فلما أقر الله عين النعمان بالفتح استشهد ، زلق به فرسه فصرع . وقيل : بل رمي بمسهم في خاصرته فمات ، فسجاه أخوه نعيم بن مقرن بثوب ، وأخذ الراية وناولها حذيفة ، وتقدم إلى موضع النعمان .
وقال المغيرة : اكتموا مصاب أميركم ، لئلا يهن الناس ، ودام القتال في الفرس حتى أظلم الليل ، فانهزموا ، ولزمهم المسلمون وعمي عليهم قصدهم ، فأخذوا نحوا اللهب الذي كان دونه ، فوقعوا فيه ، فكان الواحد منهم يقع عليه ستة ، بعضهم على بعض في قياد واحد فيقتلون جميعاً ، وعقرهم حسك الحديد ، فمان منهم في اللهب مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل منهم في المعركة .

الصفحة 164