كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 175 """"""
وكانت عادة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من رجالهم أكفاء ، كلهم يضرب بطبله ، ثم يخرجون بعدهم ، فلما خرجوا وجدوا فرسانهم ، فتطير خاقان من ذلك ، وقال : قد طال مقامنا ، وأصيب فرساننا ، وليس لنا في قتال هؤلاء القوم خير ، ورجع .
وارتفع النهار ولم ير المسلمون أحداً ، وأتاهم الخبر بانصراف الترك إلى بلخ ، وكان يزدجرد ترك خاقان يقاتل بمرو الروذ ، وانصرف إلى مرو الشاهجان ، فلما وصلها تحصن حارثة بن النعمان ومن معه ، فحصرهم ، واستخرج خزانته من موضعها .
وأراد أن يلحق خاقان لما بلغه انصرافه عن مرو الروذ إلى بلخ ؛ فأشار عليه أهل فارس بمصالحة المسلمين ، فأبى ذلك ، فاعتزلوه وقاتلوه ، فانهزم ، واستولوا على خزائنه ، وتوجه هو نحو خاقان وعبر النهر إلى فرغانة ، وأقام ببلد الترك مدة خلافة عمر رضي الله عنه إلى أن كفر اهل خراسان في زمن عثمان ، فكاتبوه وكاتبهم ، ثم قتل على ماسنذكره إن شاء الله تعالى في خلافة عثمان .
قال : ثم أقبل أهل فارس بعد انهزام يزدجرد على الأحنف ، وصالحوه ودفعوا له الخزائن ، وتراجعوا إلى بلادهم ، واغتبطوا بالمسلمين ، فأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهمه يوم القادسية .
وسار الأحنف إلى بلخ ونزلها ، ثم رجع إلى مرو الروذ ، وكتب بهذا الفتح إلى عمر .
قال : ولما عبر خاقان ويزدجرد إلى النهر ، لقيا رسول يزدجرد الذي كان ارسله إلى ملك الصين قال له : صف لي هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم ، فإنى أراك تذكر قلة منهم ، وكثرة منكم ، ولا يبلغ امثال هؤلاء القليل منكم مع كثرتكم إلا بخير عندهم وشر فيكم . فقال : سلني عما أحببت . فقال : أيوفون العهد ؟ قال : نعم . قال : ومايقولون لكم قبل القتال ؟ اقال : يدعوننا إلى واحدة من ثلاث : إما دينهم فإن أحببنا أجرونا مجراهم ، أو الجزية ، أو المنابذة . قال : فكيف طاعتهم في أمرائه ؟ قلت : أطوع قوم لرشيدهم . قال : فما يحلون وما