كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 183 """"""
فكتب إلى عمرو أن ينصرف بمن معه ، فأدركه الكتاب وهو برفح ، فتخوف إن هو اخذ الكتاب ، وفتحه أن يجد في الانصراف ، فلم يأخذه من الرسول ، ودافعه حتى انتهى إلى ثرية فيما بين رفح والعريش ، فسأل عنها فقيل : إنها من ارض مصر فأخذ الكتاب وقرأه على المسلمين ، وقال لمن معه : الستم تعلمون أن هذه القرية من مصر ؟ قالوا : بلى قال : فإن أمير المؤمنين عهد إلي وأمرني إن لحقني كتابه ولم أدخل مصر أن أرجع ؛ ولم يلحقني كتابه حتى دخلنا ارض مصر ، فسيروا وامضوا على بركة الله عز وجل .
وقد قيل : إن عمرو بن العاص كان بفلسطين فقدم بأصحابه إلى مصر بغير إذن عمر ، وكتب إليه يعلمه ، فكتب عمر غليه فأتاه كتابه وهو دون العريش ، فلم يقرأ كتابه حتى بلغ العريش فقراهن فإذا فيه : من عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص : أما بعد ، فإنك سرت إلى مصر ومن معك ، وبها جموع الروم ؛ وإنما معك نفر يسير ، ولعمري لو كانوا بكل أمتك ما كانوا لذلك ، وماسرت بهم ، فإن تم تكن بلغت مصر فارجع .
فقال عمرو : الحم دلله ، أية أرض هذه ؟ قالوا : من مصر فتقدم كما هو . ويقال : بل كان عمرو في جنده بقيساريه ، فكتب إلى عمر بن الخطاب ، وعمر إذ ذاك بالجابية ، وهو يستأذنه على المسير إلى مصر ، وأمر أصحابه فتنحوا من منزلتهم كأنهم يريدون أن يتحولوا من منزل إلى منزل ، فسار بهم ليلاً ، فلما فقده أمراء الأجناد استنكروا فعله ، ورأوا أن قد غرر ، فرفعوا ذلك إلى عمر ، فكتب إليه : إلى العاصي ابن العاص ، أما بعد ، فإنك قد غررت بمن معك ، فإن أدركك كتابي ولم تدخل مصر فارجع ، وإن أدركك وقد دخلت فامض ، واعلم أني ممدك .
ويقال : إن عمر رضي الله عنه كتب إلى عمرو بعد فتح الشام : أن أندب الناس إلى المسير معك ، فمن خف معك فسر به . وبعث بالكتاب مع شريك بن عبدة ، فندبهم عمرو ، وأسرع في الخروج ، ثم دخل عثمان بن عفان رضي الله عنه على عمر ، فأخبره عمر بذلك فقال : يا أمير المؤمنين ، إن عمراً في إقدام وحب للإمارة ، فأخشى أن يخرج في غير ثقة ولا جماعة ؛ فيعرض المسلمين للتهلكة رجاء فرصة لا يدري تكون أم لا

الصفحة 183