كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 185 """"""
ذكر حصار القصر وما قيل في كيفية الاستيلاء عليه وانتقال الروم والقبط إلى الجزيرة
قال : ولما انهزموا إلى القصر حصرهم عمرو بن العاص ومن معه حيناً ، وقاتلهم قتالاً شديداً صباحا ، ثم كتب إلى عمر يستمده ، فأمده بأربعة آلاف رجل ، على كل الف منهم رجل وكتب إليه قد أمددتك بأربعة آلاف على كلف ألف رجل : الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو ، وعبادة بن الصامت ، وسلمه بن مخلد ، ومنهم من جعل بدل سلمة خارجة بن حذافة . وقال عمر له في كتابه : أعلم أن معك اثني عشر الفاً ، ولا يغلب اثنا عشر ألفا من قلة . وقيل : إنه لما أشفق عمر ، أرسل الزبير في اثني عشر ألفاً ، فلما قدم تلقاه عمرو ، ثم أقبلا ، فركب الزبير وطاف بالخندق ، وفرق الرجال حوله ، وألح عمرو إلى القصر ، ونصب عليه المنجنيق ، وأبطأ الفتح . فقال الزبير : إني أهب نفسي لله وأرجو أن يفتح الله بذلك على المسلمين ، فوضع سلما إلى جانب الحصن من ناحية سوق الحمام ، ثم صعد ، وأمرهم أنهم إذا سمعوا التكبير أن يجيبوه جميعاً ، فلم يشعر الروم إلا والزبير على الحصن يكبر وبيده السيف ، وتحامل الناس على السلم حتى خشي عمرو أن ينكسر بهم ، فنهاهم ، ولما صاروا بأعلى الحصن كبروا جميعاً ، وأجابهم المسلمون من خارج الحصن ، فما شك أهل الحصن أن العرب قد اقتحموا جميعاً ، فهربوا ، فعمد الزبير وأصحابه إلى باب الحصن ففتحوه ، واقتحمه المسلمون ؛ فحينئذ سأل المقوقس الصلح على نفسه ومن معه ؛ على أ ن يفرض للعرب على القبط دينارين على كل رجل منهم ، فأجابهم عمرو إلى ذلك .
وكان مكثهم على باب القصر حتى فتحوه سبعة أشهر ، والله تبارك وتعالى أعلم .
قال ابن عبد الحكم : وقد سمعت في فتح القصر وجهاً آخر ، ورواه بسنده إلى خالد بن يزيد ، عن جماعة من البابعين ، يزيد حديث بعضهم على حديث بعض ، قالوا : لما حصر المسلمون بابليون ، وبه جماعة من الروم ، وأكابر القبط وعليهم المقوقس ، فقاتلهم شهراً ، فلما رأى القوم الجد من المسلمين تنحى المقوقس وجماعة من أكابر القبط ورؤسائهم ، وخرجوا من باب القصر القبلي ، ودونهم جماعة يقاتلون العرب ، فلحقوا بالجزيرة .