كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 186 """"""
قال : وهي موضع الصناعة اليوم ، وأمروا بقطع الجسر ، وذلك في زمن زيادة النيل ، وتخلف الأعيرج بالقصر بعد المقوقس ، ثم تحول إلى الجزيرة في السفن . والله أعلم .
ذكر إرسال المقوقس إلى عمرو في طلب الصلح وجواب عمرو له واجتماع المقوقس وعبادة بن الصامت وما وقع بينهما من الكلام وقبول المقوقس الجزية
.
قال : وأرسل المقوقس إلى عمرو يقول : إنكم قد ولجتم بلادنا ، وألححتم على قتالنا ، وطال مقامكم في أرضنا ؛ وإنما أنتم عصبة يسيرة ، وقد أظلتكم الروم ومعهم من العدد والسلاح ، وقد أحاط بكم هذا النيل ، وإنما أنتم اساري في أيدينا ، فابعثوا إلينا رجالاً منكم يسمع منهم ؛ فلعله أن يأتي الأمر فيما بيننا وبينكم على ما تحبون ونحب ، وينقطع عنا وعنكم هذا القتال قبل أن تغشاكم جموع الروم ؛ فلا ينفعنا الكلام ولا نقدر عليه ، ولعلكم أن تندموا ونحو ذلك من الكلام .
فلما أتت رسل المقوقس عمراً حبسهم عنده يومين وليلتين ؛ حتى خاف عليهم المقوقس وقال لأصحابه : أترون انهم يقتلون الرسل ويحبسونهم ، ويستحلون ذلك في دينهم ؟ وإنما أراد عمرو بذلك أن يروا حال المسلمين ، ثم ردهم عمرو . وأجابه مع رسله : إنه ليس بيني وبينكم إلا إحدى ثلاث خصال : إما أن دخلتم الإسلام وكنتم إخواننا ، وكان لكم مالنا ، وعليكم ما علينا ، وإن أبيتم فأعطيتم الجزية عن يد وأنتم صاغرون . وإما أن جاهدنا كم بالصبر والقتال حتى يحكم الله بيننا وبينكم ؛ وهو خير الحاكمين .
فلما جاءت رسل المقوقس إليه ، قال : كيف رأيتم هؤلاء ؟ قالوا : رأينا قوماً ، الموت أحب إلى أحدهم من الحياة ، والتواضع أحب إليهم من الرفعة ، ليس لأحدهم في الدنيا رغبة ولا نهمة ؛ إنما جلوسهم على التراب ، وأكلهم على الركب ، وأميرهم كواحد منهم ، ما يعرف رفيعهم من وضيعهم . ولا السيد فيهم من العبد ، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها منهم أحد ، يغسلون أطرافهم بالماء ، ويتخشعون في صلاتهم .

الصفحة 186