كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 187 """"""
فقال المقوقس : والذي يحلف به ، لو ان هؤلاء استقبلوا الجبال لازالوها ، وما يقوى على قتال هؤلاء أحد ؛ ولئن لم نغتنم صلحهم اليوم وهم محصورون بهذا النيل لم يجيبونا بعد اليوم ، إذا أمكنتهم الأرض وقووا على الخروج من موضعهم . ثم رد رسله إلى المسلمين ، أن ابعثوا إلينا رسلاً منكم ، تعاملهم وتتداعى نحن وهم إلى ما عساه أن يكون فيه صلاح لنا ولكم .
فبعث عمرو بن العاص عشرة نفر ، أحدهم عبادة بن الصامت ، وأمره أن يكون متكلم القوم ، وألا يجيبهم إلى شيء دعوة إليه إلا إلى أحدى هذه الثلاث خصال .
فلما دخلوا على المقوقس تقدم عبادة ، فهابه المقوقس لسواده ، فقال : نحن أعنى هذا الأسود . وقدموا غيره يكلمني . فقالوا جميعاً : إن هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلماً ، وهو سيدنا وخيرنا ، والمقدم علينا ، وإنما نوضع جميعاً إلى قوله ورأيه ، وقد أمره الأمير دونتا بما أمره به ، وأمرنا ألا نخالف رايه وقوله ، قال : وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم ، وإنما ينبغي أن يكون دونكم ، قالوا : إنه وإن كان أسود كما ترى ، فإنه من أفضلنا موضعاً ، وأفضلنا سابقة وعقلاً ورأياً ، وليس ينكر السواد فينا .
فقال المقوقس لعباده : تقدم يا أسود وكلمني برفق ، فإني أهاب سوادك ، و إن اشتد كلامك علي ازددت لذلك هيبة ، فتقدم إليه عبادة فقال : قد سمعت مقالك ، وإن فيمن خلفت من أصحابي الف رجل كلهم أشد سواداً مني ، وأفظع منظراً ؛ ولم سمعتهم ورأيتهم لكنت أهيب لهم منك لي ، وأنا قد وليت وأدبر شبابي ، وإنى بحمد الله مع ذلك ما أهاب مائة رجل من عدوى لو استقبلوني جميعاً ، وكذلك أصحابي ، وذلك إنما رغبتنا وهمتنا الجهاد في سبيل الله واتباع رضوانه ، وليس غزونا ممن حارب الله لرغبة في دنيا ولا طلبا للاستكثار منها ؛ إلا أن الله عز وجل أحل ذلك لنا ، وجعل ما غنمنا من ذلك حلالاً ، وما يبالى أحدنا أكان له قنطار من ذهب أم كان لا يملك إلا درهماً ؛ لأن غاية أحدنا من الدنيا أكلة يأكلها يسد به جوعته لليله أو نهاره ، وشملة يلتحفها . فإن كان أحدنا لا يملك إلا ذلك كفاه ؛ وإن كان له قنطار من ذهب أنفقه في طاعة الله تعالى ، واقتصر على هذا الذي بيده ، وبلغه ما كان في الدنيا ؛ لأن الدنيا ليست بنعيم ، ورخاؤها ليس برخاء ، وإنما النعيم والرخاء في الآخرة ؛ وبذلك أمرنا ربنا عز وجل ، وأمرنا به نبينا ، وعهد ألا تكون همة أحدنا من الدنيا إلا ما يمسك جوعته ، ويستر عورته ، وتكون همته وشغله في رضا ربه ، وجهاد عدوه .