كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 188 """"""
فلما سمع المقوقس ذلك منه ، قال لمن حوله : هل سمعتم مثل كلام هذا الرجل قط ؟ لقد هبت منظره ، وإن قوله لا هيب عندي من منظره ، إن هذا وأصحابه أخرجهم الله لخراب الأرض ، ما أظن ملكهم إلا سيغلب على الأرض كلها .
ثم أقبل على عباده فقال : أيها الرجل الصالح ، قد سمعت مقالتك ، وما ذكرت عنك وعن أصحابك ، ولعمري ما بلغتم إلا بما ذكرت ، وما ظهرتم على من كان إلا لحبهم الدنيا ورغبتهم فيها ، وقد توجه إلينا لقتالكم من جمع الروم مالا يحصى عدده ، قوم معروفون بالنجدة والشدة ، لا يبالى أحدهم من لقي ولا من قاتل ، وإنا لنعلم أنكم لن تقووا عليهم ولن تطيقوهم لضعفكم وقلتكم ، وقد أقمتم بين أظهرينا أشهراً ، وأنتم في ضيق وشدة من معاشكم وحالكم ، ونحن نرق عليكم لضعفكم وقلتكم ، وقلة مابأيديكم ، ونحن تطيب أنفسنا أن نصالحكم ، على أن نفرض لكل رجل منكم دينارين ، ولأميركم مائة دينار ، ولخليفتكم ألف دينار ، و تقبضونها تنصرفون إلى بلادكم ، قبل أن يغشاكم ما لا قوام لكم به .
فقال عبادة : يا هذا ، لا تغرن نفسك ولا أصحابك ، أما ما تخوفنا به من جمع الروم وعددهم وكثرتهم ، وأنا لا نقوى عليهم ؛ فلعمري ما هذا بالذي تخوفنا به ، ولا بالذي يكسرنا عما نحن فيه ؛ إن كان ما قلتم حقاً ؛ فذلك والله أرغب ما يكون في قتالهم ، وأشد تحريضاً عليهم ؛ لأن ذلك أعذر لنا عند ربنا إذا قدمنا عليه ؛ إن قتلنا عن آخرنا كان أمكن لنا في رضوانه وجنته ، وما من شيء أقر لا عيننا ولا أحب إلينا من ذلك ، وإنا منكم حينئذ لعلى إحدى الحسنيين : إما تعظم لنا بذلك غنيمة الدنيا إن ظفرنا بكم ، أو غنيمة الآخرة إن ظفرتم بنا ؛ وإنها لأحب الخصلتين إلينا بعد الاجتهاد منا ، وإن الله عز و جل قال لنا في كتاله : ) كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ( وما منا رجل إلا وهو يدعو ربه صباحا ومساءً أن يرزقه الله الشهادة وألا يرده إلى بلده ، ولا إلى أرضه ، ولا إلى أهله وولده ، ليس لأحد منا هم فيما خلفه ، وقد استودع كل منا ربه أهله وولده ، و إنما همنا ما أمامنا .
وأما قولك : أنا في ضيق وشدة من معاشنا وحالنا ، وفنحن في أوسع السعة ؛ لو كانت الدنيا كلها ملك لنا ما أردنا منها لأنفسنا أكثر مما نحن عليه ؛ فانظر الذي تريد فبينه لنا ؛ فليس بيننا وبينكم خصلة نقبلها منك ولا نجيبك إليها إلا خصلة من ثلاث ، فاختر ايها شئت ، ولا تطمع نفسك بالباطل ، بذلك أمرني أميري ، وبها أمره أمير المؤمنين ، و هو عهد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) من قبل إلينا .