كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 189 """"""
إما أجبتم إلى الإسلام الذي هو الدين الذي لا يقبل الله تعالىغيره ، وهو دين أنبيائه ورسله وملائكته . أمرنا الله أن نقاتل من خالفه ورغب عنه ؛ حتى يدخل فيه ، فإن فعل فإن له مالنا ، وعليه ما علينا ، وكان أخانا في دين الله . فإن قبلت ذلك أنت وأصحابك فقد سعدتم في الدنيا والآخرة ، ورجعنا عن قتالكم ، ولم نستحل أذاكم ، ولا التعرض لكم ، وإن أبيتم إلا الجزية ، فأدوا إلينا الجزية عن يد وأنتم صاغرون ، نعاملكم على شيئ نرضى به نحن وأنتم في كل عام أبدا ، ما بقينا وبقيتم ، ونقاتل من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم وبلادكم وأموالكم ، نقوم بذلك إن كنتم في ذمتنا ، وكان لكم به عهد الله إلينا ، وإ ، أبيتم فليس بيننا وبينكم إلا المحاكمو بالسيف حتى نموت عن آخرنا ، وأة نصيل ما نريد منكم ، هذا ديننا الذي ندين الله تعالى له ، ولا يجوز لنا فيما بيننا وبينه غيره ، فانظروا لأنفسكم .
فقال له القوقوس : هذا مالا يكون أبداً ، ما تريدون إلا أن تتخذونا خولاً أو نكون لكم عبيداً ما كانت الدنيا .
فقال عبادة : هو ذاك ، فاختر ماشئت . قال : أفلا تجيبوننا إلى خصلة غير هذه الخصال ؟ فرفع عبادة يديه فقال : لا ورب هذه السماء ، ورب هذه الأرض ، وربنا ورب كل شيء ، مالكم عندنا خصلة غيرها ، فاختاروا لأنفسكم .
فالتفت المقوقس عند ذلك إلى أصحابه فقال : قد فرغ القوم ، فما تريدون ؟ فقالوا : أو يرضى أحد بهذا الذل أما ماأرادوا من دخولنا في دينهم فهذا مالا يكون أبداً ؛ أن تترك دين المسيح بن مريم ، وندخل في دين غيره ولا نعرفه . وأما ما أرادوا من أن يسبونا ويجعلونا عبيداً أبداً ، فالموت أيسر من ذلك ، لو رضوا منا أن نضعف لهم ما أعطيناهم مراراً كان أهون علينا .
فقال المقوقس لعباده : قد أبى القوم ، فما ترى ؟ فراجع صاحبك على أن نعطيكم من مرتكم هذه ما تمنيتم وتنصرفون .
فقام عبادة وأصحابه ، فقال المقوقس لمن حوله : أطيعوني وأجيبوا القوم إلى خصلة من هذه الثلاث ، فوالله ما لكم بهم طاقة ، ولئن لم تجيبوا إليها طائعين لتجيبنهم إلى ماهو أعظم كارهين .
قالوا : وأي خصلة تجيبهم إليها ؟ قال : إذا أخبركم ؛ أما دخولكم في غير دينكم فلا آمركم به ، وأما قتالكم فأنا أعلم أنكم لن تقووا عليهم ، ولن تصبروا صبرهم ،