كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 190 """"""
ولابد من الثالثة . قالوا : أفنكون لهم ، آمنين على أنفسكم ، وأموالكم وذراريكم ، خيراً لكم من أن تموتوا عن آخركم ، وتكونوا عبيداً تباعون وتمزقون في البلاد ، مستعبدين أبداً في البلاد . أنتم وأهلوكم وذراريكم .
قالوا : فالموت أهون علينا . فأمروا بقطع الجسر بين الفسطاط والجيزة ، وبالقصر من القبط والروم جمع كثير ، فألح عليهم المسلمون عند ذلك بالقتال ؛ حتى ظفروا بمن في القصر ، فقتلوا منهم خلقاً كثيراً ، وأسروا من أسروا ، وانحازت السفن كلها إلى الجزيرة .
هذا والمسلمون قد أحدق بهم الماء من كل وجه ، لا يقدرون على أن يتقدموا نحو الصعيد ولا غيره من المدائن والقرى ، والمقوقس يقول لأصحابه : ألم أعلمكم هذا وأخافه عليكم ؟ ما تنتظرون ؟ فوالله لنجيبنهم إلى ما أرادوا طوعاً ، أو لنجيبنهم إلى ما هو أعظم منه كرهاً ، فأطيعوني من قبل أن تندموا ؛ فعند ذلك أذعنوا إلى الجزية ورضوا بها على صلح يكون بينهم يعرفونه .
فأرسل المقوقس إلى عمرو يقول له : إنى لم أزل حريصاً على إجابتك إلى خصلة من تلك الخصال التي ارسلت إلي بها ، فأبى ذلك على من حضرني من الروم والقبط ، فلم يكن لي أن أفتات عليهم في أموالهم ، وقد عرفوا نصحي لهم ، وحبى صلاحهم ، ورجعوا إلى قولي ، فأعطني أماناً أجتمع أنا وأنت في نقر نم أصحابي وأصحابك ؛ فإن استقام الأمر بيننا تم ذلك لنا جميعاً وإن لم يتم رجعنا إنى ما كنا عليه .
فاستشار عمر و أصحابه في ذلك فقالوا : لا تجبهم إلى شيء من الصلح ولا الجزية حتى يفتح الله علينا ، وتصير كلها لنا فيئاً وغنيمة كما صار القصر لنا وما فيه . فقال عمرو : قد علمتم ما عهد إلى أمير المؤمنين في عهده ، فإن أجابوا إلى خصلة من الخصال الثلاث التي عهد إلى فيها أجبتهم إليها ، وقبلت منهم مع ما قد حال هذا الماء بيننا وبين ما نريد من قتالهم . فاجتمعوا على عهد بينهم ، واصطلحوا على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها واسفلها من القبط دينارين عن كل نفس :

الصفحة 190