كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 191 """"""
شريفهم ووضيعهم ، ومن بلغ الحلم منهم ، ليس على الشيخ الفاني ، ولا على الصغير الذي لم يبلغ الحلم ، ولا النساء شيء ، وعلى ان المسلمين عليهم النزل لجماعتهم حيث نزلوا ، ومن نزل عليه ضيف واحد من المسلمين ، أو أكثر من ذلك كانت لهم ضيافة ثلاثة أيام ، مفترض ذلك عليهم ، وأن لهم ارضهم وأموالهم لا يتعرض لهم في شيء منها ، فشرط هذا كله على القبط خاصة ، وأحصوا عدد القبط يومئذ خاصة من بلغ منهم الجزية ، وفرض عليه الديناران ، رفع ذلك عرفائهم بالإيمان المؤكدة ، فكان جميع من أحصى منهم بمصر أكثر من ستة آلاف ألف نفس ، فكانت فريضتهم يومئذ اثني عشر ألف دينار في كل سنة .
وروى عن يحيى بن ميمون الحضرمي ، قال بلغت عدتهم ثمانية آلاف ألف .
قال : وشرط المقوقس للروم أن يخيروا ، فمن أحب منهم أن يقيم على مثل هذا المقام أقام على ذلك لازماً له ، مفترضاً عليه ممن أقام بالإسكندرية ، وما حولها من أرض مصر كلها ، ومن أراد الخروج منها إلى ارض الروم خرج ، وعلى أن للمقوقس الخيار في الروم خاصة ، حتى يكتب إلى ملك الروم يعلمه ما فعل ، فإن قبل ذلك ورضية جاز عليهم ، وإلا كانوا جميعاً عليه ، وكتبوا به كتاباً ، وكتب المقوقس إلى ملك الروم كتاباً يعلمه بالأمر كله . فكتب إليه يقبح رأيه ويعجزه ويرد عليه ما فعل ، وأمره بقتال المسلمين بالروم إن إبى القبط القتال ، وكتب إلى جماعة الروم بمثل ذلك .
فجمع المقوقس الروم وقال : أعلموا يا معشر الروم أنى والله لا أخرج مما دخلت فيه ، بعد أن ذكر لهم شجاعة العرب وصبرهم وجلدهم وحبهم الموت وغير ذلك من حالهم ، ثم قال : والله إنى لأعلم أنكم سترجعون غداً إلى قولي ورأيي ، وتتمنون أن لو كنتم أطعتموني ؛ وذلك أنى قد عاينت ورأيت ، وعرفت ما لم يعاين الملك ، ولم يره ولم يعرفه . أما يرضى أحدكم أن يكون آمناً في دهره على نفسه وماله وولده بدينارين في السنة ثم أقبل المقوقس على عمرو بن العاص فقال له : إن الملك قد كره ما فعلت ، وعجزني ، و كتب إلى وإلى جماعة الروم ألا نرضى بمصالحتك ، وأمرهم بقتالك حتى يظفروا بك ، أو تظفر بهم ، ولم أكن أخرج مما دخلت فيه ، وعاقدتك عليه ؛ وإنما سلطاني على نفسي ومن أطاعني ، فقد تم صلح القبط فيما بينك وبينهم ، ولم يأت من قبلهم نقض .

الصفحة 191