كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 193 """"""
الذي يقال له : أشقر صدف ، وكان لا يجارى ، فانحط عليهم من الكوم ، وطلبته الروم فلم تدركه ، فأنى عمراً فأخبره ، فاقبل نحو الروم فانهزموا ، وبالفرس الأشقر هذا سميت خوخة الأشقر التي بمصر ؛ وذلك أنه نفق فدفنه صاحبه هناك ، فسمي المكان به .
قال : ثم التقى عمرو والروم لسليطس ، فاقتتلوا بها قتالاً شديداً ، ثم هزمهم الله . ثم التقوا بالكريون فاقتتلوا هناك بضعة عشر يوماً ، وكان ابنه عبد الله بن عمرو على المقدمة ، ففشت فيه الجراحة وصلى عمرو بالناس صلاة الخوف ، بكل طائفة ركعة وسجدتين . ثم فتح الله على المسلمين ، وقتلوا من الروم مقتلة عظيمة ، وأتبعوهم حتى بلغوا الإسكندرية فتحصن بها الروم ، وكانت عليهم حصون منيعة ، حصن دون حصن ، فنزل المسلمون ما بين حلوة إلى قصر فارس ، إلى ماوراء ذلك ، ومعهم رؤساء القبط ، يمدونهم بما احتاجوا من الأطعمة والأعلاف .
هذا ورسل ملك الروم تختلف إلى الإسكندرية في المراكب ، والأمداد تأتيهم من قبله . وكان يقول لئن ظهرت العرب على الإسكندرية كان ذلك انقطاع ملك الروم وهلاكهم ؛ لأنه ليس للروم كنائس أعظم من كنائس الإسكندرية ، ونجهز الملك ليباشر القتال بنفسه ، وأمر ألا يتخلف عليه أحد من الروم . وقال : مابقاء ما بقاء الروم بعد الاسكندرية فلما فرغ من جهازه أهلكه الله فمات وكفى الله المسلمين مؤنته .
وكان موته في سنة تسع عشرة ، فكسر الله بموته شوكة الروم ، ورجع جمع كبير ممن كان توجه لإعانة أهل الإسكندرية ، فاستأسدت العرب عند ذلك ، وألحت بالقتال ، فقاتلوا قتالاً شديداً ، فبرز رجل من الروم ، وبرز له مسلمة بن مخلد ، فصرعه الرومي وألقاه عن فرسه ، وأهوى إليه ليقتله حتى حماه رجل من أصحابه ، وكان مسلمة لا يقام له ، ولكن غلبته المقادير ، فشق ذلك على المسلمين .
وكان مسلمة ثقيل البدن ، كثير اللحم ، فاشتد غضب عمرو ، وقال : مابال الرجل المسته الذي يشبه النساء يتعرض إلى مداخل الرجال ويتشبه بهم فغضب مسلمة من ذلك ولم يراجعه ، ثم اشتد القتال حتى اقتحم المسلمون حصن الإسكندرية ، وقاتلوا فيه ، ثم جاشت الروم حتى أخرجوهم جميعاً من الحصن ، إلا أربعة ، متهم عمرو بن العاص ، ومسلمة بن مخلد ، فأغلقوا الحصن عليهم ، والتجئوا