كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 194 """"""
إلى ديماس من حمامات الروم ، فأنزل الروم رومياً يتكلم بالعربية ، فقال لهم : إنكم قد سرتم أساري في أيدينا ، فاستأسروا ولا تقتلوا أنفسكم .
ثم قال لهم : أن في أيدي أصحابكم منا رجالاً أسروهم ، ونحن نعطيكم العهود بكم أصحابنا ، ولا نقتلكم ، فأبوا عليهم .
ثم قال لهم الرومي : فهل لكم إلى خصلة وهي نصف فما بيننا وبينكم ، أن تعطونا العهد ونعطيكم مثله ؛ على أن يبرز منا رجل ، ومنكم رجل ، فإن غلب صاحبنا صاحبكم استأسرتم لنا ، وأمكنتمونا من أنفسكم ، وإن غلب صاحبكم صاحبنا خلينا سبيلكم . فرضوا بذلك وتعاهدوا عليه .
فبرز رجل من الروم وقد وثقت الروم بنجدته وشدته ، فأراد عمرو أن يبرز فمنعه مسلمة وقال : أنا أكفيكإن شاء الله ، فقال عمرو : دونك ؛ فربما فرجها الله بك . فبرز مسلمة للرومي فتجاولا ساعة ، ثم أعان الله مسلمة فقتله ، وكبر وكبر اصحابه ، ووفى لهم الروم بماء عاهدوهم عليه ، ففتحوا لهم باب الحصن ، فخرجوا ، والروم لا يدرون أم أمير القوم فيهم ، ثم بلغهم ذلك ، فاسفوا على ما فاتهم منه ، وندم عمرو واستحيا من مقاله لمسلمة ما قال ، فاستغفر له عمرو .
قال : ولم أبطأ الفتح على عمر ، كتب إلى عمرو : أما بعد ، فقد عجبت لإبطائكم عن فتح مصر ، وأنكم تقاتلونهم منذ سنتين ؛ وما ذاك إلا لما أخذتم وأحببتم من الدنيا ما أحب عدوكم ، وإن الله تعالى لا ينصر قوما إلا بصدق نياتهم . وقد كنت وجهت إليك أربعة نفر ، وأعملتك أن الرجل منهم مقام ألف رجل على ماكنت أعرف ؛ إلا أن يكونوا غيرهم ما غير غيرهم ، فإذا أتاك كتابي هذا فاخطب الناس وحضهم على قتال عدوهم ، ورغبهم في الصبر والنية ، وقدم أولئك الاربعة في صدور الناس ، ومر الناس جميعاً أن تكون لهم صدمة كصدمة رجل واحد وليكن ذلك عند الزوال يوم الجمعة ؛ فإنها ساعة نزول الرحمة ، ووقت الإجابة ، وليعج الناس إلى الله ويسألوه النصر . ففعلوا ففتح الله عليهم .
قال : ويقال : إن عمرو بن العاص استشار مسلمة بن مخلد في قتال الروم ، فقال له مسلمة : أرى أن تنظر إلى رجل له معرفة وتجارب من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فتعقد له على الناس ، فيكون هو الذي يباشر القتال ويكفيكه . فقال عمرو : وما ذاك ؟

الصفحة 194