كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 262 """"""
واستعمل عبد الله بن قيس الحارثي حليف بني فزارة ، وسار المسلمون إلى قبرس ، وسار إليها عبد الله بن سعد من مصر ، فاجتمعوا عليه فصالحهم أهلها على جزية ، وهي سبعة آلاف دينار في كل سنة ، ويؤدون للروم مثلها ، لا يمنعهم المسلمون من ذلك ، وليس على المسلمين منعهم ممن أرادهم من ورائهم . وعليهم أن يؤذنوا المسلمين بمسير عدوهم من الروم ، ويكون طريق المسلمين إلى العدو عليهم ، فقبلوا ذلك منهم ، وعادوا عنهم .
وشهد هذه الغزاة جماعة من الصحابة ، منهم : أبو ذر الغفاري ، وعبادة بن الصامت ، ومعه زوجته أم حرام بنت ملحان ، وأبو الدرداء شداد بن أوس .
وفي هذه الغزاة ماتت أم حرام ، ألقتها بغلتها بجزيرة قبرس فاندق عنقها ، وكان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أخبرها أنها من أول من يغزو في البحر .
قال : وبقي عبد الله بن قيس على البحر ، فغزا خمسين غزاة في البحر ، من بي شاتيه ، وصائفة ، لم ينكب أحد من جنده ، وكان يدعوا الله أن يعافيه في جنده ، ثم خرج هو في قارب طليعة ، فانتهى إلى المرفأ من أرض الروم ، وفيه مساكين يسألون ، فتصدق عليهم ، فرجعت امرأة منهم إلى قريتها ، فقالت : هذا عبد الله بن قيس في المرفأ فبادروا إليه ، وهجموا عليه ، فقتلوه ، بعد أن قاتلهم ، فأصيب وحده ، ونجا الملاح حتى أتى أصحابه فأعلمهم ، فجاءوا حتى رسوا بالمرفأ وعليهم سفيان بن عوف الأزدي ، فخرج إليهم فقاتلهم .
وقيل لتلك المرأة بعد ذلك : بأي شيء عرفت عبد الله بن قيس ؟ قالت : كان كالتاجر ، فلما سألته أعطاني كالملك ، فعرفته بهذا .
ولما كانت سنة اثنتين وثلاثين أعان أهل قبرس الروم على غزو المسلمين بمراكب أعطوهم إياها ، فغزاهم معاوية في سنة ثلاث وثلاثين ففتحها عنوة ، فقتل وسبى ، ثم أقرهم على صلحهم ، وبعث إليهم أثني عشر ألفا فبنوا المساجد ، وبنى بها مدينة .
وقيل : كانت الغزوة الثانية في سنة خمس وثلاثين .
وفي سنة ثمان وعشرين غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم . والله تعالى أعلم ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .

الصفحة 262