كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 53 """"""
ركابنا يحفظها علينا ؛ فأمر له رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) بمثل ما أمر لأصحابه ، وقال : " ليس بشركم مكاناً لحفظه ركابكم ورحالكم " ، فقيل ذلك لمسيلمة ، فقال : عرف أن الأمر إلى من بعده .
ثم ادعى النبوة بعد ذلك ، وكان الرجال بن عنفوة قد هاجر إلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، فتعلم القرآن من أبى بن كعب ، وفقه في الدين ، فبعثه رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) معلماً لأهل اليمامة ، وليشغب على مسيلمة ؛ ويشدد من أمر المسلمين ، وكان أعظم فتنة على نبي حنيفة من مسيلمة ، شهد له أنه سمع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : إنه قد أشرك معه ؛ فصدقوه واستجابوا له ، وأمروه بمكاتبه النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، ووعدوه إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه .
وقبض رسول اله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ والأمر على ذلك ، فقويت شوكة مسيلمة ، واشتد أمره ، وكثرت جموعه ، وتمكن الرجال بن عنفوة من مسيلمة ، وعظم شأنه عنده ، فكان لا يخالفه في أمر ولا يقول شيئاً إلا تابعه عليه ، وكان مسيلمة يصانع كل أحد ممن اتبعه ، ويتابعه على رأيه ، ولا يبالي أن يطلع الناس مه على قبيح ، وضرب حرماً باليمامة ؛ فكان محرماً ، فوقع ذلك الحرمن في الأحاليف ، أفخاذ من بني أسيد كانت دراهم اليمامة ، فصار مكان دراهم الحرم ، والأحاليف : سيحان ونمارة ، وبنو جروة ، فكانوا يغيرون على ثمار أهل اليمامة ، فإن نذروا بهم فدخلوا الحرم أحجموا عنهم ، وإن لم ينذروا بهم فذاك ما يريدون ؛ فكثر ذلك منهم ، حتى استعدوا عليهم مسيلمة ، فقال : انظروا الذي يأتي من السماء فيكم وفيهم ، ثم قال لهم : " والليل الأطحم ، والذئب الأدلم ، ما انتهكت أسيد من محرم " ، ثم عادوا للغارة والعدوى ، فقال : انتظروا الذي يأتينى . ثم قال : " والليل الدامس ، والذئب الهامس ، ما قطعت اسيد من رطب ولا يابس " ؛ فقالوا : أما النخيل فمرطبة وقد جدوها ، أما الجدران فيابسة وقد هدموها ، فيقال : اذهبوا وارجعوا فلا حق لكم .
وكان فيما يقرؤه لهم فيهم : إن بني تميم قوم طهر لقاح ، لا مركوه عليهم ولا إتارة ، نجاورهم ما حيينا بإحسان ، نمنعهم من كل إنسان ، فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن " .