كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 57 """"""
قالوا : وحمل خالد في الناس حتى ردهم أبعد ما كانوا ، واشتد القتال ، وكانت الحرب يومئذ تارة للمسلمين ، وتارة عليهم ، وقتل سالم وأبو حذيفة وزيد بن الخطاب وغيرهم . فلما رأى خالد ما الناس فيه ، قال : امتازوا اليوم أيها الناس ، لنعلم بلاء كل حي ، ولنعلم من أين نؤتى فلما امتازوا قال بعضهم لبعض : اليوم نستحي من الفرار . وقاتل الناس قتالاً عظيماً ، وثبت مسيلمة ، فعرف خالد أن الفتنة لا تركد إلا بقتل مسيلمة ، فبرز ودعا إلى البراز ، فما يبرز له أجد إلا قتله ، ودعا مسيلمة فأجابه ؛ وعرض عليه أشياء ، فكان إذا هم بجوابه أعرض بوجهه يستشير شيطانه ، فينهاه أن يقبل ، فأعرض بوجهه مرة ، فركبه خالد وأرهقه فأدبر ، وزال أصحابه ، فكانت هزيمتهم ، وقالوا : لمسيلمة : أين ما كنت تعدنا ؟ فقال : قاتلوا عن أحسابكم . نادي المحكم بن الطفيل : يا بني حنيفة ، الحديقة الحديقة فدخلوها ، وأغلقوا بابها عليهم .
قال : وكان البراء بن مالك أخو أنس ؛ إذا حضر الحرب أخذته رعده حتى يقعد الرجال عليه ، ثم يبول ، فإذا بال ثار كما يثور الأسد ، فأصابه ذلك ، فقال : إلى أيها الناس ؛ أنا البراء بن مالك ؛ وقاتل قتالاً شديداً ، فلما دخل بنو حنيفة الحديقة ، قال البراء : يا معشر المسلمين ، ألقوني عليهم فيها . فقالوا : لا نفعل ، فاحتمل حتى أشرف على الجدار واقتحمها عليهم ، وقاتل على الباب ، وفتحه المسلمون ، ودخلوا عليهم ، فاقتتلوا أشد قتال ، وكثر القتل بين الفريقين ، فلم يزالوا كذلك حتى قتل مسيلمة ، واشترك في قتله وحشى ، مولى جبير بن مطعم قاتل حمزة بن عبد المطلب ، ورجل من الأنصار ، فولت حنيفة عند قتله منهزمة ، وأخذهم السيف من كل جانب . وقتل محكم اليمامة ، قتله عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، رضى الله عنه ؛ رماه بسهم في نحره وهو يخطب ويحرض الناس فقتله ، وقتل من المهاجرين والأنصار من أهل المدينة ثلثمائة وستون ، ومن المهاجرين من غير المدينة ثلثمائة ، وقتل من بني حنيفة بعقرباء سبعة آلاف ، وفي حديقة الموت مثلها ، وفي الطلب نجو منها ؛ وخرج خالد بجماعة يرسف في الحديد ليدله على مسيلمة فجعل يكشف القتلى حتى مر بحكم بن الطفيل وكان رجلاً جسيماً فلما رآه خالد قال : هذا صاحبكم ؟ قال : لا ، هذا والله خير منه وأكرم ؛ هذا محكم اليمامة ، ثم مضى حتى دخل