كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 64 """"""
أني لا أرى الغدير لأخبرتك ان هذا هو المكان ، وما رأيت بهذا المكان ماء ناقعاً قبل اليوم ، وإذا إداواة مملوءة ، فقال : يا أبا سهم ، هذا والله المكان ، ولهذا رجعت بك ، وملأت إدواتي ثم وضعتها على شفيره . فقلت : إن كان منا من المن وكانت آية عرفتها ، وإن كان غياثاً عرفته ، فإذا من من المن ؛ فحمد الله . ثم سرنا حتى ننزل هجر .
قال : فأرسل العلاء بن الحضرمي إلى الجارود ورجل آخر : أن انضما في عبد القيس حتى تنزلاً على الحكم مما يليكما ، وخرج هو فيمن جاء معه ، وفيمن قدم عليه حتى ينزل عليه ما يلى هجر ، وتجمع المشركون كلهم إلى الحكم إلا أهل دارين ، وتجمع المسلمون كلهم إلى العلاء ، وخندق المسلمون والمشركون ، فكانوا يتراوحون القتال ويرجعون إلى خندقهم ، فكانوا كذلك شهراً .
فبينا الناس ليلة إذ سمع المسلمون في عسكر المشركين ضوضاء شديدة ، كانها ضوضاء هزيمة أو قتال ، فقال العلاء : من يأتينا بخبر القوم ؟ فقال عبد الله بن حذف : أنا آتيكم بخبر القوم ؛ فخرج حتى إذا دنا من خندقهم أخذوه ؛ فقالوا له : من أنت ؟ فانتسب لهم ، وجعل ينادي : يا أبجراه فجاء أبجر فعرفه فقال : ما شأنك ؟ فقال : لا أصغر بين اللهازم ، فقال : والله إني لأظنك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة . فقال : دعني من هذا ، وأطعمني ؛ فإني قد مت جوعاً ؛ فقرب له طعاماً فأكل ، ثم قال : زودني واحملني ، فحمله على بعير ، وخرج عبد الله بن حذف حتى دخل عسكر المسلمين ، فأخبرهم أن القوم سكارى ، فخرج المسلمون عليهم حتى اقتحموا عسكرهم ، فوضعوا السيوف فيهم حيث شاءوا ، واقتحوا الخندق هرابا فتمرد وناج ، ودهش ومقتول أو مأسور ، واستولى المسلمون على ما في العسكر ، ولم يسلم رجل إلا بما عليه ، فأما أبجر فأفلت ؛ وأما الحطم فإنه دهش ، وطار فؤاده ، فقام إلى فرسه - والمسلمون خلالهم - فلما وضع رجله في الركاب انقطع به فمر به ، عفيف بن المنذر والحطم يستغيث ؛ يقول : ألا رجل يعقلني فعرف