كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 77 """"""
فقال جرجة : يا خالد ، اصدقني ولا تكذبي ، فإن الحر لا يكذب ، ولا تخادعني ، فإن الكريم لا يخادع المسترسل ، قد أنزل الله على نبيكم سيفاً ، فأعطاه لك ، فلا تسله على قوم إلا هزمهم الله قال : لا ، قال : ففيهم سميت سيف الله ؟ قال : إن الله بعث فينا نبيه ( صلى الله عليه وسلم ) ، فدعانا ، فنفرنا منه ، ثم إن بعضنا صدقه وبعضنا باعده وكذبه ، فكنت ممن كذبه وقاتله ثم هداني الله فتابعته ؛ فقال : أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين ، ودعا لي بالنصر ، فسميت سيف الله بذلك ، فا ، ا أشد المسلمين على الكافرين المشركين ؛ فقال : صدقت ، فأخبرنى ، إلام تدعوني ؟ قال خالد : إلى الإسلام أو الجزية ، أو الحرب . قال : فما منزلة الذي يجيبكم ويدخل فيكم ؟ قال : منزلتنا واحدة ، قال : فهل له في الأجر والذخر مثلكم ؟ قال : نعم ، وأفضل ؛ لأننا اتبعنا نبينا وهو حي يخبرنا بالغيب ، ونرى منه العجائب ، وأنتم لم تروا مثلنا ، ولم تسمعوا ما سمعنا ، فمن دخل بنية وصدق ، كان أفضل منه . فقلب جرجة ترسله ، ومال مع خالد يعلمه الإسلام ، وأسلم ، فمال به خالد إلى فسطاطة ، فشن عليه قربة من الماء وصلى به ركعتين .
وحملت الروم مع انقلابه إلى خالد ، وهم يرون أنها منه حيلة ، فأزالوا السمليمن عن مواقفهم ، فقال هكرمة بن أبي جهل : قاتلت مع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) في كل موطن ، وأفر منكم ثم نادى : من يبايع على الموت ؟ فبايعه الحارث بن هشام ، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم ، فقاتلوا أمام فسطاجط خالد حتى أثبتوا جميعاً جراجا ، فمنهم من برى ، ومنهم من استشهد .
وحمل خالد ومعه جرجة - والروم خلال المسلمين - فنادى الناس فثابوا ، وتراجعت الروم إلى مواقعهم ، وزحف خالد بالمسلمين إليهم حتى تصافحوا بالسيوف ، وضرب فيهم خالد من لدن ارتاع النهار إلى جنوح الشمس للغروب ، ثم أصيب جرجة ، ولم يصل صلاة سجد فيها إلاالركعيتن مع خالد ، وصلى الناس الظهر والعصر إيماء ، وتضعضع الروم ، ونهد خالد بالقلب حتى كان بين خيلهم ورجلهم ، فانهزم الفرسان ، وخرجت خيلهم تشتد في الصحراء .
ولما رأى المسلمون خيل الروم أفرجوا لها ، فذهبت ، فتفرقت في البلاد ، وأقبل خالد ومن معه على الرجل ، ففضوهم ؛ فكأنما هدم بهم حائط ، واقتحموا في