كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 82 """"""
لفضائله الجزيلة لتعددها وتكررها ، بل نورد من كل نوع منها طرفاً يحتوي على خصال منيعة ، وأخلاق شريفة ، ويتحقق سامعه أنه لو أنفق ملء أحد ذهباً ما بلغ مده ولا نصيفه .
كان رضي الله تعالى عنه قد تقلل من الدنيا جهد طاقته ، واقتصر منها على بعض ما يسد به بعض خلته وفاقته ، وتجنب أموال المسلمين جهده ، وأنفق في سبيل الله وعلى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ما كان عنده ؛ نطق بفضله القرآن ، وجاهد في دين الله فأذل الله له وبه أهل الشرك والطغيان ، وشمر عن الساعد في قتال أهل الردة حين استذلهم الشيطان ، وأقدم على حربهم بنفسه وجيوشه حين اشرأب النفاق ولمعت بوارقه ، وناضلهم بكتبه وكتائبه حين ظهر الكفر ونشرت خوافقه ، فأخمد الله تعالى به حاكان قد اضطرم من نيران الردة ، وأفاء تلك القبائل التي كانت لحرب الإسلام مستعدة ؛ إلا من استمر منهم على كفره ، وما نزع عن شره ومكره ، وأبي إلا جحود هذا الدين وقتال شعبه ، ونفر عن الرجوع والانضمام إلى حزبه ؛ فإن الله تعالى قتله شر قتلة ، وأباح للمسلمين ماله وأهله ونسله .
روى أنه لما ارتدت العرب ، خرج أبو بكر رضي الله عنه شاهراً سيفه إلى ذي القصة ، فجاءه علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فأخذ بذمام راحلته ، وقال أين يا خليفة رسول الله ؟ أقول لك كما قال لك رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يوم أحد : شم سيفك لا تفجعنا بنفسك ، فوالله لئن أصبنا بك لا يكون للإسلام نظام ، وكان له رضي الله عنه بيت مال بالسنح ، وكان يسكنه إلى أن انتقل إلى المدينة ؛ فقيل له : ألا تجعل عليه من يحرسه ؟ قال : لا ، فكان ينفق جميع ما فيه على المسلمين ، فلا يبقى فيه شيء ، فلما انتقل إلى المدينة جعل بيت المال معه في داره .
ولما توفي جمع عمر الأمناء ، وفتح بيت المال فلم يجد فيه شيئاً غير دينار سقط من غرارة ، فترحموا عليه .

الصفحة 82