كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 83 """"""
وفي خلافته رضي الله عنه : انفتح معدن بني سليم ، فكان يسوي في قسمته بين السابقين الأولين والمتأخرين في الإسلام ، وبين الحر والعبد ، والذكر والأنثى . فقيل له : ليقدم أهل السبق على قدر منازلهم . فقال : إنما أسلم لله ، ووجب أجرهم عليه ، يوفيهم ذلك في الآخرة وإنما هذه الدنيا بلاغ .
وكان يشتري الأكسية ويفرقها في الأرامل في الشتاء .
قال أبو صالح الغفاري : كان عمر رضي الله عنه يتعهد امرأة عمياء في المدينة بالليل ، فيقوم بأمرها ، فكان إذا جاءها وجد غيره قد سبقه إليها ، ففعل ما أرادت ، فرصده عمر ، فإذا هو أبو بكر رضي الله عنه ، كان يأتيها ويقضي أشغالها سراً وهو خليفة ؛ فقال : أنت هو لعمري وكان منزل أبي بكر رضي الله عنه بالسنح عند زوجته حبيبة بنت خارجة ، فأقام هناك ستة أشهر بعدما بويع ، وكان يغدو على رجليه إلى المدينة ، وربما ركب فرسه ، فيصلى بالناس ؛ فإذا صلى العشاء رجع إلى السنح . وكان إذا غاب صلى بالناس عمر ، وكان يغدو كل يوم إلى السوق فيبيع ويبتاع ، وكانت له قطعة غنم تروح عليه ، وربما خرج هو بنفسه فيها ، وربما رعيت له .
وكان يحلب للحى أغنامهم ، فلما بويع بالخلافة قالت جارية منهم : الآن لا يحلب لنا منائح دارنا ، فسمعها ، فقال : بل لعمري لأحلبنها لكم ، وإني لأرجو ألا يغيرني ما دخلت فيه عن خلق كنت عليه ، فكان يحلب لهم ، ثم تحول إلى المدينة بعد ستة أشهر من خلافته .
وقال : لا تصلح أمور الناس مع التجارة ، وما يصلح إلا التفرغ لهم ؛ والنظر في شأنهم ، فترك التجارة وأنفق من مال المسلمين ، ما يصلحه ويصلح عياله يوماً بيوم ، ويحج ويعتمر ؛ فكان الذي فرضوا له في كل سنة ستة آلاف درهم . فلما حضرته الوفاة قال : ردوا ما عندنا من مال المسلمين ، فإني لا أصيب من هذا المال شيئاً ، وإن أرضى الذي بكذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم ، فدفع ذلك إلى عمر . وقيل : إنه قال : انظروا كم أنفقت منذ وليت من بيت المال ؟ اقضوه عني ، فوجدوا مبلغة ثمانية آلاف .
وقيل : إنه قال لعائشة رضي الله عنها : أما إنا منذ ولينا أمر المسلمين لم نأكل لهم ديناراً ولا درهماً ، ولكنا قد أكلنا من جريش طعامهم ، ولبسنا من خشن ثيابهم ، وليس عندنا من فيء المسلمين إلا هذا العبد ، وهذا البعير ، وهذه القطيفة ، فإذا مت فابعثي