كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)

"""""" صفحة رقم 96 """"""
وقال هلال بن عبد الله : رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، رجلاً آدم ضخماً كأنه من رجال سدوس ، في رجليه روح .
قال بعضهم في صفته : كان طويلاً من الناس كراكب الجمل ، أمهق أصلع .
استخلفه أبو بكر رضي الله عنه قبل وفاته ؛ وذلك أنه لما نزل به الموت دعا عبد الرحمن بن عوف . فقال : أخبرني عن عمر ، فقال : إنه أفضل من رأيك فيه إلا أن فيه غلظة ؛ فقال أبو بكر : ذلك لأنه يراني رقيقاً ، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه ، وقد رمقته ، فكنت إذا غضبت على رجل اراني الرضاعنة ، وإذا لنت له أراني الشدة عليه . ودعا عثمان فقال له : أخبرني عن عمر ، فقال : سريرته خير من علانيته ، وليس فينا مثله . فقال أبو بكر لهما : لا تذكرا مما قلت لكما شيئاً ، ولو تركته ما عدوت عثمان ، ولا أدري لعله تارك ، والخيرة له ألا يلي من أموركم شيئاً ، لوددت أني كنت من أموركم خلوا ، وكنت فيمن مضى من سلفكم .
ودخل طلحة على أبي بكر فقال : استخلفت على الناس عمر ، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه ، فكيف به إذا خلابهم وأن لاق ربك فسائلك عن رعيتك ؛ فقال : أجلسوني ؛ فأجلسوه ، فقال : بالله تفرقني ، أو بالله تخوفني إذا لقيت ربي فساءلني قلت : استخلفت على أهلك خير أهلك . ثم أحضر أبو بكر عثمان بن عفان خالياً ، فقال : أكتب : بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين ؛ أما بعد - ثم أغمي عليه - فكتب عثمان : أما بعد ؛ فقد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم آلكم خيراً ، ثم أفاق أبو بكر فقال : أقرأ علي ، فقرأ عليه ، فكبر أبو بكر وقال : خفت أن يختلف الناس إن مت في غشيتي ، قال : نعم .
قال : جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله . فلما كتب العهد أمر به أن يقرأ على الناس ، فجمعهم ، وأرسل الكتاب مع مولي له ، ومعه عمر ، فكان عمر يقول للناسك انصتوا واسمعوا لخليفة رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ؛ فإنه لم يألكم نصحاً ، فسكت الناس ، فلما قرئ عليهم الكتاب سمعوا وأطاعوا .

الصفحة 96