كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 19)
"""""" صفحة رقم 97 """"""
وكان أبو بكر قد أشرف على الناس ، وقال : أترضون بمن استخلفت عليكم ؟ فإني ما استخلفت ذا قرابة ، وإني قد استخلفت عليكم عمر ، فاسمعوا له وأطيعوا ، وإني والله ما ألوت من جهد الرأي ، فقالوا : سمعنا وأطعنا ، ثم أحضر أبو بكر عمر ، فقال : قد استخلفتك على أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، وأوصاه بتقوى الله ، ثم قال : يا عمر ؛ إن لله حقاً بالليل لا يقبله في النهار ، وحقاً في النهار لا يقبله في الليل ، وإنه لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة ، ألم تر يا عمر إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بأتباعهم الحق وثقله عليهم وحق الميزان لا يوضع فيه غداً إلا أن يكون ثقيلاً ألم تر يا عمر إنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة بأتباعهم الباطل ، وخفته عليهم ، وحق الميزان لا يوضع فيه غداً باطل غلا أن يكون خفيفاً ألم تر يا عمر إنما نزلت الرخاء مع آية الشدة ، وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغباً راهباً ؛ لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له ، ولا يرهب رهبة يلقى فيها بيديه ألم تر يا عمر أنتا ذكر الله أهل النار بأسوأ أعمالهم ، فإذا ذكرتهم قلت : إني لأرجو ألا أكون منهم ، وأنه إنما ذكر أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم ماكان من شيء ، فإذا ذكرتهم قلت : أين عملي من أعمالهم فإن حفظت وصيتي ، فلا يكون غائب أحب إليك من الموت ، ولست بمعجزة .
وتوفي أبو بكر رضي الله عنه ، فلما دفن صعد عمر المنبر ، فخطب الناس ثم قال : إنما مثل العرب مثل جمل أنف اتبع قائده ، فلينظر قائده حيث يقود . وأما أنا فورب الكعبة لأحملنكم على الطريق .
وكان أول كتاب كتبه إلى أبي عبيدة بن الجراح بتوليته جند خالد بن الوليد ، وبعزل خالد لأنه كان عليه ساخطاً خلافة أبي بكر كلها لوقعته بابن نويرة ، وما كان يعمل في حربه ، وأول ما تكلم به عزل خالد ، وقال : لا يلى لي عملاً أبداً .