كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)
"""""" صفحة رقم 156 """"""
فقال لهم محمد بن أبي بكر رضي الله عنه : اسقوني ماء . فقال ابن حديج : " لا سقاني الله إن سقيتك قطرة أبداً ؛ إنكم منعتم عثمان شرب الماء ، والله لأقتلنك حتى يسقيك الله من الحميم والغساق " .
فقال له محمد : " يا ابن اليهودية النساجة ، ليس ذلك إليك ، لإنما ذلك إلى الله ، يسقي أولياءه ، ويظمئ أعداءه ، أنت وأمثالك ، أما والله لو كان سيفي بيدي ما بلغتم مني هذا " .
قال له : أتدري ما أصنع بك ؟ أدخلك جوف حمار ثم أحرقه عليك بالنار . فقال محمد : " إن فعلت بي ذلك فطالما فعلتم ذلك بأولياء الله ، وإني لأرجو أن يجعلها الله عليك وعلى أوليائك ومعاوية وعمرو ناراً تلظى ، كلما خبت زادها الله سعيراً " .
فغضب منه وقتله ، ثم ألقاه في جيفة حمار ، ثم أحرقه بالنار .
فلما بلغ ذلك عائشة رضي الله عنها جزعت عليه جزعاً شديداً ، وقنتت في وتر الصلاة تدعو على معاوية وعمرو ، وأخذت عيال محمد إليها ، وامتنعت عائشة بعد ذلك أ ، تأكل شواء حتى ماتت . وقد قيل : إن محمد بن أبي بكر قاتل عمراً ومن معه قتالاً شديداً ، فقتل كنانة وانهزم محمد ، فاختبأ عند جبلة بن مسروق ، فدل عليه معاوية ابن حديج ، فأحاط به ، فخرج إليه محمد فقاتل حتى قتل . وكان ذلك في سنة ثمان وثلاثين .
قال : وأما علي رضي الله عنه ، فإنه لما أتاه كتاب محمد ندب الناس إلى الخروج ، فتثاقلوا فخطبهم وحثهم على الخروج ووبخهم على التثاقل ، فقام إليه كعب بن مالك الأرحبي فقال : يا أمير المؤمنين : اندب الناس ؛ لهذا اليوم كنت أدخر نفسي ، ثم قال : أيها الناس ، اتقوا الله وأجيبوا إمامكم ، وانصروا دعوته ، وقاتلوا عدوه وأنا أسير إليه ، فخرج معه ألفان . فقال له علي رضي الله عنه : سر فوالله ما أظنك تدركهم حتى ينقضي أمرهم ، فسار بهم خمساً .
ثم قدم الحجاج بن غزية من مصر فأخبره بالخبر ، وأتاه عبد الرحمن بن شبيب الفرازي من الشام وكان عينه هناك فأخبره أن البشارة من عمرو وردت بقتل محمد وملك مصر وسرور أهل الشام بقتله ، فقال علي ؛ أما إن حزننا عليه بقدر سرورهم به ، لا بل يزيد أضعافاً : وأرسل إلى الجيش فأعادهم .