كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)

"""""" صفحة رقم 178 """"""
وكان سبب قتله أن عبيد الله بن زياد خرج في رهان له ، فلما جلس ينتظر الخيل اجتمع الناس إليه ، وفيهم عروة بن أدية وهو أخو مرداس بن أدية ، وأدية أمهما وأبوهما جدير ، وهو تميمي ، فأقبل عروة على زياد يعظه ، فكان مما قال له : " أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ، وإذا بطشتم بطشتم جبارين " .
قال : فلما قال له ذلك ظن ابن زياد أنه لم يقله إلا ومعه جماعة فركب وترك رهانه ، فقيل لعروة : ليقتلنك . فاختفى ، فطلبه ابن زياد فأتى الكوفة فأخذ وأتي به إلى ابن زياد فقطع يديه ورجليه وقتله وقتل ابنته .
وأما أخوه أبو بلال مرداس فكان عابداً مجتهداً عظيم القدر في الخوارج وشهد صفين مع علي فأنكر التحكيم . وشهد النهروان مع الخوارج ، وكانت الخوارج كلها تتولاه . وكانت البثخاء امرأة من بني يربوع - تحرض على ابن زياد وتذكر تجبره وسوء سيرته ، وكانت من المجتهدات ، فذكرها ابن زياد ، فقال لها أبو بلال : إن التقية لا بأس بها فتغيبي فإن هذا الجبار قد ذكرك . فقالت : أخشى أن يلقى أحد بسببي مكروهاً ، فأخذها ابن زياد فقطع يديها ورجليها ورماها في السوق ، فمر بها أبو بلال فعض على لحيته وقال : لهذه أطيب نفساً بالموت منك يا مرداس ما ميتة أموتها أحب إلي من ميتة البثخاء .
ومر أبو بلال ببعير قد طلي بقطران فغشي عليه ، ثم أفاق فتلا : " سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار " .
ثم إن ابن زياد ألح في طلب الخوارج حتى ملأ منهم السجون .
وحبس أبا بلال مرداس بن أدية ، فرأى السجان عبادته ، فأذن له كل ليلة في إتيان أهله ، فكان يأتيهم ليلاً ويعود إلى السجن مع الصبح ، وكان لمرداس صديق يسامر ابن زياد ، فانطلق صديق مرداس إليه وأعلمه الخبر ، وبات السجان بليلة سوء خوفاً أنه لا يرجع ، فعاد على عادته ، فقال له السجان : أما بلغك ما عزم عليه الأمير ؟ قال : بلى ، قال : وكيف أتيت ؟ قال : لم يكن جزاؤك مع إحسانك أن تعاقب بسببي ، وأصبح ابن زياد فقتلهم ،

الصفحة 178