كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)

"""""" صفحة رقم 186 """"""
وكلن حسن الشعر ، فمن شعره يخاطب عمارة بن الوليد بن المغيرة عند النجاشي :
إذا المرء لم يترك طعاماً يحبه . . . ولم ينه قلباً غاوياً حيث يمما
قضى وطراً منه وغادر سبة . . . إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
وكان أحد الدهاة في أمور الدنيا المقدمين في الرأي ، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا استضعف رجلاً في رأيه قال : أشهد أن خالقك وخالق عمرو واحد . يريد خالق الأضداد .
حكي أنه جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرو بن العاص وهو على المنبر عن أمه ، فسأله ، فقال : أمي سلمى بنت حرملة تلقب النابغة من بني عنزة ، ثم أحد بني جلان ، أصابتها رماح العرب فبيعت بعكاظ ، فاشتراها الفاكه بن المغيرة ، ثم اشتراها منه عبد الله بن جدعان ، ثم صارت إلى العاص بن وائل فولدت له ، فأنجبت ، فإن كان جعل لك شيء فخذه .
قالوا : ولما حضرته الوفاة قال : " اللهم أمرتني فلم آتمر ، وزجرتني فلم أنزجر " ووضع يده في موضع الغل ثم قال : " اللهم لا قوي فأنتصر ، ولا بريء فأعتذر ، ولا مستكبر بل مستغفر ، لا إله إلا أنت " . فلم يزل يرددها حتى مات .
وروى أبو عمر ابن عبد البر بسنده إلى الشافعي رضي الله عنه أنه قال : دخل ابن عباس رضي الله عنهما على عمرو بن العاص في مرضه فسلم عليه وقال : كيف أصبحت يا أبا عبد الله ؟ قال : " أصبحت وقد أصلحت من دنياي قليلاً ، وأفسدت من ديني كثيراً ، فلو كان الذي أصلحت هو الذي أفسدت ، والذي أفسدت هو الذي أصلحت لفزت ، ولو كان ينفعني أن أطلب طلبت ، ولو كان ينجيني أن أهرب هربت ، فصرت كالمنجنيق بين السماء والأرض ، لا أرقى بيدين ولا أهبط برجلين ، فعظني بعظة أنتفع بها يا بن أخي " . فقال ابن عباس : " هيهات يا أبا عبد الله ، صار ابن أخيك أخاك ، ولا نشاء أن تبكي إلا بكيت ، كيف يؤمر برحيل من هو مقيم ؟ " . فقال عمرو على حينها من حين ابن بضع وثمانين سنة تقنطني من رحمة ربي ، اللهم إن ابن عباس يقنطني من رحمتك فخذ مني حتى ترضى . فقال ابن عباس : هيهات يا أبا عبد الله أخذت جديداً وتعطي خلقاً ، قال : ما لي ولك يا بن عباس ما أرسل كلمة إلا أرسلت نقيضها .

الصفحة 186