كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)
"""""" صفحة رقم 196 """"""
الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة ، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال : أشهد أيها الأمير أنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب . فقال : " كذبت ، ذاك نبي الله داود عليه الصلاة والسلام " .
فقال الأحنف : " قد قلت فأحسنت ، أيها الأمير والثناء بعد البلاء ، والحمد بعد العطاء ، إنا لا نثني حتى نبتلى ، ولا نحمد حتى نعطى " . فقال زياد : صدقت .
فقام أبو بلال مرداس بن أدية وهو يقول : أنبأنا الله بغير ما قلت ، قال الله تعالى : " وإبراهيم الذي وفى ، ألا تزر وازرة وزر أخر ، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ، ثم يجزاه الجزاء الأوفى " فأوعدنا الله خيراً مما أوعدتنا يا زياد فقال زياد : إنا لا نجد إلى ما نريد منك ومن أصحابك سبيلاً حتى نخوض إليكم الباطل خوضاً وقيل : إنه قال : حتى نخوض إليها الدماء .
وقيل : إنه لما قدم العراق خطب ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " إن معاوية غير مخوف على قومه ، ولك يكن ليلحق بنسبه من ليس منه ، وقد شهدت الشهود بما قد بلغكم ، والحق أحق أن يتبع ، والله حيث وضع البينات كان أعلم ، وقد رحلت عنكم وأنا أعرف صديقي من عدوي ، وقد قدمت عليكم ، وصار العدو صديقاً مناصحاً ، والصديق عدواً مكاشحاً ، فاشتمل كل امرئ على ما في صدره ، فلا يكونن لسانه شفرة تجري على ودجه ، وليعلم أحدكم إذا خلا بنفسه إني قد حملت سيفي بيده ، فإن شهره لم أغمده ، وإن أغمده لم أشهره " . ثم نزل .
واستعمل على شرطته عبد الله بن حصن . . وأجل الناس حتى بلغ الخبر الكوفة وعاد إليه وصول الخبر ، وكان يؤخر العشاء الآخرة ، ثم يصلي ويأمر رجلاً فيقراً سورة البقرة أو مثلها يرتل القرآن ، فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن إنساناً يبلغ أقصى البصرة ، ثم يأمر صاحب شرطته بالخروج فيخرج فلا يرى إنساناً إلا قتله .
فخرج ذات ليلة ، فأخذ أعرابياً ، فأتى به زياداً ، فقال : هل سمعت النداء ؟ قال : " لا والله قدمت بحلوبة لي ، وغشيني الليل ، فاضطررتها إلى موضع ، وأقمت لأصبح ولا علم لي بما كان من الأمير " . قال : أظنك والله صادقاً ولكن في قتلك صلاح الأمة . ثم أمر به فضربت عنقه .