كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)
"""""" صفحة رقم 205 """"""
فلما ولي عبد الملك بن مروان هم بالمنبر ، فقال قبيصة بن ذؤيب أذكرك الله أن لا تفعل ، إن معاوية حركه فكسفت الشمس ، وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من حلف على منبري آثماُ فليتبوأ مقعده من النار " وهو مقطع الحقوق بينهم بالمدينة . فتركه عبد الملك .
فلما ولى الوليد ابنه وحج هم بدلك ، فأرسل سعيد بن المسيب إلى عمر بن عبد العزيز فقال : كلم صاحبك لا يتعرض للمسجد ولا لله والسخط له ، فكلمه عمر فتركه . فلما حج سليمان بن عبد الملك أخبره عمر بما كان من الوليد ، فقال سليمان : " ما كنت أحب أن يذكر عن أمير المؤمنين عبد الملك هذا ، ولا عن الوليد ، ما لنا ولهذا ؟ أخذنا الدنيا فهي في أيدينا ، ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام يوفد إليه فنحمله ، هذا ما لا يصلح " .
وفيها عزل معاوية معاوية بن حديج عن مصر ، واستعمل عليها مسلمة بن مخلد مع إفريقية وكان على إفريقية عقبة بن نافع ، وكان قد اختط قيروانها ، وكان موضعه غيضة لا ترام من السباع والحيات فدعا الله عليها ، فلم يبق منها شيء إلا خرج هارباً ، حتى إن كانت السباع لتحمل أولادها ، وبنى الجامع ، فلما عزله معاوية عن إفريقية وأضافها إلى مسلمة بن مخلد استعمل على إفريقية مولى له يقال له : أبو المهاجر ، فلم يزل عليها حتى هلك معاوية .
وقيل : إن عقبة بن نافع ولي إفريقية في هذه السنة وعمر مدينة القيروان ، وكانت غيضة على ما تقدم ، فدعا الله تعالى ، وكان مستجاب الدعوة ، ثم نادى : " أيتها الحيات والسباع ، إنا أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ارحلوا عنا فإنا نازلون ، ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه " .
فنظر الناس إلى الدواب تحمل أولادها وتنتقل ، فأسلم كثير مكن البربر ، وقطع الأشجار وأمر ببناء المدينة ، فبنيت وبنى المسجد الجامع ، وبنى الناس مساجدهم ومساكنهم ، وكان دور القيروان ثلاثة آلاف باع وستمائة باع . وسنذكر إن شاء الله تعالى ذلك بما هو أبسط من هذا في أخبار إفريقية وبلاد الغرب .