كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)
"""""" صفحة رقم 211 """"""
مصره ، فأحتاج أن أشخصك إليه بالعراق " فقال : " والله ما أنصفتني يا معاوية قاتلت معك ابن عمك يوم صفين حتى ظفرت وعلا كعبك ، ولم تخف الدوائر ، ثم سألتك ابن عمي فمنعتني إياه " . ثم انصرف فجلس في بيته .
فبعث معاوية هدبة بن فياض القضاعي ، والحصين بن عبد الله الكلابي وأبا شريف البدي إلى حجر وأصحابه ؛ ليقتلوا من أمروا بقتله ، فأتوهم عند المساء ، فلما رأى الخثعمي أحدهم أعور قال : يقتل نصفنا ويترك نصفنا فكان كذلك ، وعرضوا عليهم قبل القتل البراءة من علي ولعنه ويتركوهم ، فامتنعوا من ذلك ، فحفرت القبور وأحضرت الأكفان .
فقام حجر بن عدي وأصحابه يصلون عامة الليل ، فلما كان من الغد قدموا للقتل ، فقال لهم حجر : اتركوني حتى أتوضأ وأصلي فإني ما توضأت إلا صليت . فتركوه ، فصلى ثم انصرف ، وقال : والله ما صليت صلاة قط أخف منها ، ولولا أن تظنوا بي جزعاً من الموت لاستكثرت منها . ثم قال : " اللهم إنا نستعديك على أمتنا ، فإن أهل الكوفة شهدوا علينا ، وإن أهل الشام يقتلوننا ، أما والله لئن قتلتموني بها إني لأول فارس من المسلمين هلك في واديها ، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها " . ثم مشى إليه هدبة بن فياض بالسيف ، فارتعد ، فقالوا له : زعمت أنك لا تجزع من الموت فابرأ من صاحبك وندعك . فقال : " ومالي لا أجزع وأرى قبراً محفوراً وكفناً منشوراً وسيفاً مشهوراً . وإني والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب " . فقتلوه وقتلوا خمسة .
فقال عبد الرحمن بن حسان - وكريم الخثعمي : ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته . فاستأذنوا معاوية فيهما ، فأذن بإحضارهما ، فلما دخلوا عليه قال كريم : " الله الله يا معاوية فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ، ثم مسئول عما أردت بسفك دمائنا . فقال : ما تقول في علي ؟ قال : أقول فيه قولك . قال : أتبرأ من دينه الذي يدين الله به ؟ فسكت ، وقام شمر ابن عبد الله من بني قحافه بن خثعم ، فاستوهبه إياه ، فوهبه له على ألا يدخل الكوفة .