كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)

"""""" صفحة رقم 219 """"""
ورجع المغيرة ، فلما قدم الكوفة ذاكر من يثق إليه من شيعة معاوية فأجابوا إلى بيعته ، فأوفد منهم عشرة ، ويقال أكثر ، وأعطاهم ثلاثين ألف درهم ، وجعل عليهم ابنه موسى ، فقدموا على معاوية وزينوا له بيعة يزيد ، ودعوه إلى عقدها ، فقال : لا تعجلوا بإظهار هذا وكونوا على رأيكم ، ثم قال لموسى ، بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟ قال : بثلاثين ألفاً ، فقال : لقد هان عليهم دينهم .
وقيل : أرسل أربعين ، وجعل عليهم ابنه عروة بن المغيرة ، فلما دخلوا على معاوية قاموا خطباء فقالوا : إنما أشخصنا إليك النظر لأمة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) . وقالوا : " يا أمير المؤمنين ، كبرت سنك ، وخفنا انتشار الحبل ، فانصب لنا علماً وحد لنا حداً ننهي إليه " . فقال : أشيروا علي . فقالوا : نشير بيزيد بن أمير المؤمنين ، فقال : أوقد رضيتموه ؟ قالوا : نعم . قال : وذاك رأيكم ؟ قالوا : نعم ورأي من ورائنا . فقال معاوية لعروة سراً عنهم : بكم اشترى أبوك من هؤلاء دينهم ؟ قال : بأربعمائة دينار . قال : لقد وجد دينهم عندهم رخيصاً ، وقال لهم : " ننظر ما قدمتم له ، ويقضي الله تعالى ما أراد ، والأناة خير من العجلة " . فرجعوا وقد قوي عزم معاوية على البيعة ليزيد .
ذكر مراسلة معاوية زيادا في شأن البيعة وما دار بين زياد وبين عبيد بن كعب النميري من الرأي وما اتفقا عليه
قال : ولما قوي عزم معاوية على البيعة ليزيد ، كتب إلى زياد بن أبيه يستشيره ، وزياد إذ ذاك يلي البصرة ، فلما ورد عليه كتاب معاوية أحضر عبيد بن كعب النميري وقال له : " إن لكل مستشير ثقة ، ولكل سر مستودع ، وإن الناس قد أبع بهم خصلتان : إذاعة السر وإخراج النصيحة إلى غير أهلها ، وليس موضع السر إلا أحد رجلين : رجل آخرة يرجو ثواباً ، ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه ، وقد خبرتهما منك ، وقد دعوتك إلى أمر أبهمت عليه بطون الصحف ، إن أمير المؤمنين كتب إلي يستشيرني في كذا وكذا ، وإنه يتخوف نفرة الناس ويرجو طاعته ، وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم ، ويزيد صاحب رسلة وتهاون ، مع ما قد أولع به من حب الصيد فالق أمير المؤمنين وأد إليه عني فعلات يزيد ، وقل له رويدك بالأمر

الصفحة 219