كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 20)

"""""" صفحة رقم 224 """"""
ومكث معاوية بالمدينة ما شاء الله ، ثم خرج إلى مكة ، فلقيه الناس ، فقال أولئك النفر : نتلقاه لعله قد ندم على ما كان منه ، فلقوه في بطن مرّ ، فكان أول من لقيه الحسين رضي الله عنه ، فقال له معاوية : مرحباً وأهلاً بابن رسول الله وسيد شباب المسلمين . وأمر له بدابة وركب وسايره ، ثم فعل بالباقين مثل ذلك ، وأقبل يسايرهم ولا يسير معه غيرهم حتى دخل مكة ، فكانوا أول داخل عليه وآخر خارج ، ولا يمضي يوم إلا ولهم منه صلة ، ولا يذكر لهم شيئاً ، حتى قضى نسكه وحمل أثقاله وقرب مسيره ، فقال بعضهم لبعض : " لا تخدعوا فما صنع هذا لحبكم ، وما صنعه إلا لما يريد أن يفعل ، فأعدوا له جواباً " فاتفقوا على أن يكون المخاطب له عبد الله ابن الزبير .
فأحضرهم معاوية وقال : " قد علمتم سيرتي فيكم ، وصلتي لأرحامكم وحملي ما كان منكم ، ويزيد أخوكم وابن عمكم ، وأردت أن تقدموه باسم الخلافة ، وتكونوا أنتم تولون وتعزلون وتؤمرون ، وتجبون المال وتقسمونه ، ولا يعارضكم في شيء م ذلك " . فسكتوا ، فقال : ألا تجيبون ؟ مرتين .
ثم أقبل على عبد الله بن الزبير ثم قال : هات فلعمري إنك خطيبهم . قال : نعم ، نخيرك بين ثلاث خصال . قال : اعرضهن . قال : تصنع كما صنع رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، أو كما صنع أبو بكر ، أو كما صنع عمر رضي الله عنهما ، قال معاوية : ما صنعوا ؟ قال : قبض رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ولم يستخلف أحدا ، فارتضى الناس أبا بكر . قال : ليس فيكم مثل أبي بكر وأخاف الاختلاف . قالوا : " صدقت فاصنع كما صنع أبو بكر ، فإنه عمد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني تميم فاستخلفه ، أو كما صنع عمر ، جعل الأمر شورى في ستة نفر ، ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه " . قال معاوية : هل عندك غير هذا ؟ قال : لا ، قال : فأنتم ؟ قالوا : قولنا قوله . قال : " فإني أحببت أن أتقدم إليكم ، إنه قد أعذر من أنذر ، إني كنت أخطب ، فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس ، فأحمل ذلك وأصفح ، وإني قائم لمقالة فأقسم بالله لئن رد علي أحدٌ منكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمةٌ غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه ، فلا يبقين رجل إلا على نفسه " .

الصفحة 224